إيـــش-ICH
مرحبا بك بمنتدى قصر ايش
إيـــش-ICH

Le lever du soleil au Maroc * شروق الشمس في المغرب
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
» ان لله و ان اليه راجعون
2014-05-08, 07:39 من طرف ICH

» حرب الرمال
2013-05-24, 03:57 من طرف ICH

» دعوة الي منتداي الأسلأميhttp://rfiaaildilrarb.7olm.org/
2013-04-18, 09:30 من طرف المشتاقة الي الله

» جمعية جبل بني اسمير للسياحة
2012-10-26, 07:40 من طرف ICH

» تخابيت
2012-09-22, 13:11 من طرف tabhirt

» معلومات قرآنية قيمة
2012-08-29, 08:39 من طرف ADOR

» الفقر يطحن العائلات المهاجرة بفرنسا
2012-08-28, 08:28 من طرف ADOR

» وصفات من الاعشاب
2012-03-01, 14:15 من طرف ICH

» ايش خلال القرن 19
2012-02-27, 11:52 من طرف khaled

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
حالة الطقس بإيش Météo. Ich
منتدى
التبادل الاعلاني
forum gratuit Annuaire des forums
Le bottin des forums Kouaa
 

شاطر | 
 

 لوازم الطريق

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
l3wine

avatar

عدد الرسائل : 50
نقاط : 3056
تاريخ التسجيل : 21/10/2010

مُساهمةموضوع: لوازم الطريق    2010-11-06, 17:54

بسم الله الرحمن الرحيم


لوازم الريق

قاعدة الإنطلاق لمن أراد الإنعتاق

وفيه ....
المبادىء الأساسية للدعوة الجهادية
بقلم ...
الشيخ : يسري بن عطية آل صالح
( أبو هاجر الفلسطيني )
تقديم
الشيخ الدكتور : عبد اللطيف بن خالد آل موسى
( أبو النور المقدسي رحمه الله
تقديم وتقريظ
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
الحمد لله الذي ألف بين قلوب المؤمنين فأصبحوا بنعمته إخواناً ، فتلاشت من بينهم كلُّ الأحقاد التاريخية ، والثارات القبلية ، والأطماع الشخصية ، والرايات العنصرية الجاهلية ، وانضووا تحت راية الحق الكبير المتعال ، على غير أرحامٍ بينهم ، ولا أموالٍ يتعاطونها ، ولا تجارةٍ يديرونها واجتمعت قلوبهم على كلمة التوحيد فأصبحت متآخية متراصة يذلُّ بعضها لبعض .
أما أولئك الذين ربطتهم العواض الفانية والمطامع الشخصية والمصالح الدنيوية ( والتي تشتت ولا تجمع وتخالف ولا تألف وتفرق ولا توفق ) فإنهم سينقلبون يوم القيامة إلى خصومٍ يتلاحَون بعد أن كانوا أحباء يتناجون ، وصدق الله العظيم إذ يقول :- {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ }الزخرف67
ولذلك فمن صبر مع هذه الثلة المؤمنة الصادقة المجاهدة حتى تنمو البذرةُ وتثبتَ الشجرة ، وتصلحَ الثمرة ويجني القطاف فأجره على الله عز وجل ، ولن يفوته أجرُ المحسنين إمّا بَرْدُ العدل والنصر والسيادة وإمّا حرُّ السيف والشهادة والسعادة
كم سعدتُ بالاطلاع على هذا الكنز الثمين ، والبحث العظيم الذي خطهُ يراع أخينا وحبيبنا في دين الله عز وجل الأخ [ يسري بن عطية آل صالح ] الملقب بـ [ أبي هاجر الفلسطيني ] ، والذي أسماه [ لوازم الطريق – قاعدة الإنطلاف لمن أراد الإنعتاق ] وفيه [ المبادىء الأساسية للدعوة الجهادية ] وبيَّن فيه منهاج الدعوة الجهادية الذي يعتمد على المصادر الثلاثة من [ القرآن والسُّنة والاجتهاد الصحيح ] وأظهر الصفات الأساسية التي لا بد من توافرها في الداعية المجاهد الذي ينتمي لهذا الركب الرباني الطاهر من الالتزام بالإسلام عقيدةً وسلوكاً مع الكفر بكل أشكال الطواغيت وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجلّى للقارىء في هذا البحث الواجبات الملقاة على عاتق المجاهد الداعية من [ التبليغ والسمع والطاعة في غير معصية ] وكذلك الحقوق العامة للمسلمين ثم أتبعها بحقوق خاصة بالمجاهدين من [ الرفق بالمجاهدين _ النصيحة والمشورة _ النصرة _ التكليف بالأعمال الجهادية والدعوية عملاً بالقاعدة التي تنص على "وضع الرجل المناسب في المكان المناسب"_ والحق المالي الكامل غير المنقوص للمجاهد الداعية الذي يمضي نفائس أنفاسه ، وجواهر أوقاته في حمل الدعوة وتبليغها وتحمل أعبائها وتبعاتها ،والذود عن حياضها من بيت مال الدعوة الخاص بها ] وفي نهاية البحث تحدث عن أهداف الدعوة الجهادية متمثلة في هدفين [ الأول: هداية الناس بإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، والثاني : هو إقامة دولة الإسلام لتكون حامية لمعتقدات الإسلام وتعاليمه ، و لتُرفع منها راية التوحيد خفاقة والتي يُجمع بها شمل الأمة ، وتُحقن بها الدماء ، ويُرأب بها الصدع ، ويُجاهد تحت لوائها الأعداء ويُقسَّم فيها الفيء وتؤمن فيها السبل ، وتُقام فيها الحدود وأحكام الجنايات ، ويُعزُّ فيها المؤمنون ويُذلُّ فيها الكافرون ]

إن هذا الكنز الثمين والبلسم الشافي والجواب الكافي والذي بيّن فيه الأخ الحبيب [ يسري بن عطية آل صالح ] حفظه الله تعالى ورعاه ، وفك أسره ونجاه المبادىء الأساسية للدعوة الجهادية لتدلل على همته العالية وسعة إطلاعه وقدرته على شفع أقواله بالأدلة الشرعية من الكتاب والسُّنة الصحيحة فجزاه الله عزَّ وجلَّ عن المسلمين خيراً ونسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في جهده وأن يجعل ما كتب في ميزان حسناته ، وأن يكون له صدقة جارية وحسنة سارية يأتيه من بركاتها ما يزيد في نعيمه في جناتٍ ونهر عند مليك مقتدر

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين

كتبه الشيخ الدكتور / عبد اللطيف بن خالد آل موسى
إمام وخطيب مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية
محافظة رفح _ قطاع غزة _ فلسطين
تحريراً في 20 / ذو الحجة / 1429 هــ
تقديم وتقريظ
كما خطه الشيخ الدكتور /
عبد اللطيف بن خالد آل موسى
بسم الله الرحمن الرحيم
{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}الأنعام(162_163)
بسم الله الرحمن الرحيم
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }المائدة54

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :-
( لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتي الساعة وهم على ذلك . وهؤلاء في كل وقتٍ غرباء ) رواه مسلم

وقال صلى الله عليه وسلم :-
( إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً فطوبى للغرباء ، الذين يصلحون ما أفسد الناسُ من بعدي من سنتي ) رواه الترمذي
وفي رواية ( الفرّارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى عليه السلام )

وعن عبد الله بن مسعود رضي لله عنه قال :-
( إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد فإنك حينئذٍ الجماعة وإن كنت وحدك ، فالجماعة ما وافق الحق وإن كنت فرداً ) رواه أحمد

فإلى الغرباء في كل أرضٍ وحين ...
إلى العلماء العاملين ...
إلى الدعاة والمجاهدين ...
الفارين بالدين ...
أُهدي هذا الكتاب ... / أبو هاجر
} مدخل {

الحمد لله الذي كرم بني آدم وحملهم في البر والبحر وفضلهم على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً والصلاة والسلام على من بعثه الله كافة للعالمين نبياً ورسولاً ... وعلى من سار على دربهم واستن بسنته ولم يكن للموحدّين خذولاً ... وبعد ...
فلقد كان لزاماً علينا أن نتحدث في العديد من الأمور التي من شأنها تقويم الإعوجاج وتصحيح مسار الركب الذي ما زال فيه الصدق والصواب رغم كل النكسات والإنحرافات التي اعترضته ولربما اعترته والبسيطة في معظمها إزاء هذا الدين العظيم .
والأمور التي سنبحثها بحاجة فعلية إلى ممارسة واقعية كما أنها بحاجة على أجوبة شافية على مبهمها تلبي الرغبة الشريفة للمسلم الغيور على دينه ، الطموح لإقامة صرح الحق والتمترس لبنة أساسية بداخله ، وما هّية هذا التمترس وحيثياته وبرامجه . فالعضو الصالح في جسم الأمة الممتدة الأطراف هو العضو الذي يساعد حسب الإمكان وبدافع الواجب في إبقاء أمته حية أو على الأقل ألّا يؤتى الجسم من قبله ، سواء بتبني الرؤى القاصرة أو بالدخول من حيث لا يشعر في المجال الكهرومغناطيسي لمصطلح ( الإمّعة) بحيث يلحق الركب


أينما سار أو يمشي مع التيار حتى لو ساقه إلى الهاوية والدمار ، بل على المسلم الشريف أن يتسم بالوعي الكافي والحزم الوافي وألا يسمح للخلل أن يكون في مجال تواجده فضلاً عن أن يكون فيه .
إعلموا أرشدكم الله أنني أكتب عن المسائل الدعوية والجهادية وبشكل واضح صريح ، فنحن اليوم بحاجة ماسّة إلى وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالإجتهاد والتاريخ والنقل وأمراض المتلقين والأتباع وكيف ساهمت هذا الأمراض على إختلافها بشكلٍ أو بآخر في تراجع المسيرة في بعض المواقع ، كما أننا بحاجة إلى صياغة جديدة على الأسس القديمة للمفاهيم المختلفة التي علمناها بالضرورة من ديننا ، لام اللائمون أم بكى الباكون .
بحاجة إلى نفض التراكمات الكبيرة من الغبار عن الموروث العظيم من الاجتهادات والمؤلفات التي أتحفنا بها سلف هذه الأمة الخالدة ، وليس المقصود من الغبار ( غبار الترك والإنحاء ) فحسب ، بل أيضاً الغبار المتمثل في الحقائق والوقائع المشّوهة التي رانت على عقول المسلمين فحجبتها عن حقيقة الدين السليم ، وكل ذلك بفعل الهجمات الرهيبة والحملات المدروسة للغرب الحاقد على أمتنا عبر الحِقَب الزمنية المتوالية من تاريخنا .
قصدنا ذلك لأنه وللأسف الشديد من الملاحظ اليوم وبوضوح أن العديد من العاملين في الحقل الدعوي ولا أغفل الآخرين من المسلمين ولكنني أردت الحديث عمن يمثلون أو يدَّعون طليعة هذه الأمة . نلاحظ أنهم بحاجة إلى إعادة صقل وتهيئة شاملة في كافة الجوانب والمجالات ، فللأسف الشديد أنك تجدهم لا يعرفون من أقسام وموضوعات الشرع المختلف إلا القشور التي لا ترقى إلى درجة طالب علمٍ فضلاً عن داعيةٍ طليعي يريد الخير والهدى للناس جميعاً على أساسٍ من العلم والإيمان والمعرفة ، العلم بشرع الله تحقيقاً للعبودية وإقراراً لحاكميته وإفراداً له في ربوبيته وألوهيته والإيمان بما على الإنسان من واجبات وبما في الكون من حقائق ، والمعرفة المذكورة هي معرفة الجاهلية و إنحرافاتها لكي نقمعها ونغيرّها ، فالمسلم يجوز له الإطلاع على آثار الشاط الجاهلي ، ولكن ليس بهدف تكوين تصوره وإنما ليعرف كيف تتم هذه الإنحرافات وكيف السبيل إلى تغييرها ، فالمسلم إن لم يعرف الجاهلية بوعي وحرص وحنكة وحذر فإنه قد يخالطه شيء منها يُحدث خللاً في شخصيته دون أن يدري ، وليس غريباً أن تجد بعض الدعاة الجدد ممن كانوا على جهلٍ بواقعهم المنحرف المتفشي تجدهم يُدافعون عن الأفكار والأشخاص والهيئات المختلفة والغنية عن التعريف بفسادها يدافعون عنها بقوة في نقاشٍ أو حوار ، ولا عجب فالباطل يلبس الثياب المزركشة دوماً ولا بد له من عارفين فطنين بالمرصاد ، يقول عمر رضي الله عنه ( ينقض عُرى الإسلام عروة عروة من عاش في الإسلام ولم يعرف الجاهلية ) فالمعرفة إذاً ركن أساسي من أركان شخصية المجاهد الطليعي وأحد مقومات نجاحه وإلّا فكيف يُتصَّور أن يسعى لتغيير الأوضاع الفاسدة من لا يعرفها ؟!!
قال سيد قطب رحمه الله ( لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية ، كان يشعر في اللحظة التي يجيء فيها للإسلام أنه يبدأ عهداً جديداً منفصلاً كل الإنفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية ، وكان يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام ، وبهذا الإحساس كان يتلقى هدي الإسلام الجديد ،فإذا غلبته نفسه مرة وإذا اجتبذته عاداته مرة وإذا ضعف عن تكاليف الإسلام مرة شعر في الحال بالإثم والخطيئة وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهر مما وقع فيه ، وعاد يحاول من جديد أن يكون على وفق الهدى القرآني ) اهـ .
وعندما نتحدث عن الدعوة الإسلامية فإننا نتحدث عن صرحٍ عظيمٍ وبوتقة صاهرة لكل الجهود و الإمكانات والرؤى بداخلها على أساسٍ من الصدق والصواب ، صدق النوايا والإخلاص لله تعالى ، وصواب الإتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم وفق رؤية الإسلام الواحدة ، الإسلام الكلي الشامل ، وعلى أساس من التأريخ الصحيح والنقل الدقيق لمؤلفات السابقين على الدرب الطاهر الحاضن لفكرة الوحدة ، فالدعوة العظيمة التي بدأت هناك في شعاب مكة وبطحائها و أضائت شرارتها الأولى بثلةٍ من الأولين الصادقين والتي كان شعارها الإخلاص والصواب ، والولاء الكامل لربها ولقائدها المبلغ عن ربها ولمبادئها الطاهرة ولالتزاماتها الثقيلة من


التبليغ والتمكين ، وما تبع ذلك من محنٍ وابتلاءاتٍ وشهداء حتى سطع نورها و أضائت الطريق للحيارى ، وأرشدت البشرية للحق والهدى ، ونظمت العلاقات بين الناس على أساس العدل المطلق .
لا يمكن لهذه الدعوة التي بهرت العالم برونقها وعدلها ومصداقيتها أن تنحصر في رؤية محددة تفرضها ظروف متغيرة لقضية بعينها ، أو أن تكون حكراً على أحد .
وهذا مقتضى فهمنا لشمولية هذه الدعوة وعالميتها وكمالها ، والتي تبدأ عالميتها من نقطة النهاية والاندثار لكل القيم والتعاليم والمبادئ الفاسدة التي تهيمن وتعربد في الواقع المراد البدء منه.
ولأنها تجربة أولية في موقعٍ تقاس عليه باقي المواقع ، أقول أولية وليست اختباريه ، بل الدعوة بإذن الله ناجحة موفقة إذا ما صدق حاملوها وكانت نياتهم وأهدافهم وقلوبهم وقوالبهم كلها لله وإلى الله ، فالدعوة المطبقة كاملة من خلال الصادقين الشرفاء في واقعٍ تنطبق عليه مواصفات الواقع الذي نشأت فيه الثلة الأولى حتى لو في بعض المواصفات التي على خطورتها وكثرتها فمن شأنها تدمير الفرد والجماعة فنجاح الدعوة الكاملة في هذا الواقع المحدد فاتحة لنجاحاتٍ وانتصاراتٍ متوالية في مواقع أخرى على طريق النصر التام والأخير _ بإذن الله _ ممثلاً في إقامة صرح الحق والسيادة على منهاج النبوة بإذن الله تعالى .
لعلك أخا التوحيد قد لاحظت أننا نتحدث عن مواقع ، وكأننا نتعامل مع كلٍ على حدة ، بالعكس فمهما اختلف الواقع في البيئات المختلفة فالحل واحد والرؤية واحدة وشاملة لأن منبعها الدين الشامل ، ولكن حالة التجزئة التي خلّفها الاستعمار الكافر ما زالت قائمة بأبعادها السقيمة الموجعة التي اضطرت المجاهدين إلى توزيع جهودهم وتشتيتها كلٌ على جزئه وأصبحوا يتعاملون مع الأقاليم _ اضطراريا _ وكأنها مفصولة عن بعضها وكانت النتيجة أن تجدرت هذه النظرية في نفوس الكثير منهم وفي سلوكهم إلا من رحم الله ، فأصبحوا أسرى الإقليمية المقيتة وأصبح لكلٍ رؤيته السياسية الخاصة ببلده والتي غلّفها بغلاف الدين وحصرها في نقاطٍ محددة وأوهم العامة وتوهم معهم أنها الدين الكفيل بالحل وتذرع لتمرير رؤيته بأن (( أهل مكة أدرى بشعابها )) وكأن الصورة ثابتة على ما قبل التكنولوجيا الحديثة وكأننا لا نرى واقعه من خلال الفضاء المفتوح أكثر منه نفسه ، وكأن العقيدة تختلف من قطرٍ لآخر في التطبيق والملاءمة ، وبقصدٍ أو بغير قصد تناسى السيرة والتاريخ والخلافة التي جمعت الأمصار كلها بعد انتشالها من واقعٍ هو لعمري أشبه بل أشد مرارة من واقعنا اليوم .. يقول الشهيد كما نحسبه سيد رحمه الله ( ولم تكن الدعوة في أول عهدها في وضع أقوى ولا أفضل منها الآن ، كانت مجهولة مستنكرة من الجاهلية ، وكانت محصورة في شعاب مكة ، مطاردة من أصحاب الجاه والسلطان فيها ، وكانت غريبة في زمانها في العالم كله ، وكانت تحف بها إمبراطوريات ضخمة عاتية تنكر كل مبادئها وأهدافها ولكنها مع هذا كله كانت قوية ،كما هي اليوم قوية وكما هي غداً قوية ، وإن عناصر القوة الحقيقية كامنة في طبيعة هذه العقيدة ذاتها . ومن ثم فهي تملك أن تعمل في أسوأ الظروف وأشدها حرجاً ، إنها تكمن في الحق البسيط الواضح الذي تقوم عليه وفي تناسقها مع الفطرة وفي قدرتها على قيادة البشرية في أي مرحلة أو وضع وفي صراحتها وهي تواجه الجاهلية بكل قواها المادية دون أي خَرمٍ في أصولها وهي لا تربت على شهوات الجاهلية إنما تصدع بالحق صدعاً مع إشعار الناس بأنها خير ورحمة وبركة ) اهـ بتصرف يسير .
لا ننكر أن الظروف ربما اختلفت كثيراً بعد سقوط الخلافة وحالة التردي الذي تعيشه الأمة لكن الدين واحد والحكم واحد والشرع كلٌ لا يتجزأ وما حالة التردي هذه إلا نتاجاً طبيعياً لبعد الأمة عن دينها وغياب الرؤية الموحدة للحل القائمة على الكل الديني المتكامل والتي يحملها تيارٌ واحد ينتشر على مساحة أكبر من أرض الإسلام المغصوبة مع التركيز على البقعة الأكثر ملائمة للانطلاق .

نقول وبالله التوفيق أن الدعوة الإسلامية الساعية لإقامة بيئة إسلامية سليمة ومجتمع مثالي تقوم بإذن الله _ أينما أُتيح لها أن تقوم وفي أي موقع تتهيأ فيه الشروط الأساسية لقيامها وفي أي بقعةٍ كانت على ألّا يُخل بأيٍ من الشروط لأن هذا معناه التصادم مع العقيدة التي دافع عنها النبي صلى الله عليه وسلم وبلغها ورفض المساومة عليها .
إن ما سقنا وطرحنا هو مقتضى فهمنا لدولة الإسلام الأولى ، فعندما وصلت الدعوة في مكة على حد التجميد تقريباً بسبب موقف قريش العنيد منها وتحالفهم على حربها بشتى الوسائل وفتنتهم وتعذيبهم للمنضويين تحت لوائها وموقف العرب المترقب لنتيجة المعركة بين النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته وانتظار ما سوف تسفر عنه هذه النتيجة علماً بأن الكثير كان ينتظر ويريد الدخول في هذا الدين ، ولكن المحاربين هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا له وزنه عند العرب وأضف إليه أن قريش هي التي تقوم بسدانة الكعبة وتمثل الجانب الديني في جزيرة العرب . ولذلك نرى النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عن قاعدة أخرى غير مكة ، قاعدة تحمي هذه العقيدة ، وتكفل لها الحرية أولاً ثم يضمن المعتنقون لهذه العقيدة الحماية الكاملة من الاضطهاد والفتنة في ظل هذه العقيدة القوية ثانياً ، ثم تكون القاعدة القوية للإنطلاق بهذا الدين لكل العالمين عرباً وغير عرباً حتى يكون الدين على الأرض كله لله سبحانه وتعالى ...
وفعلاً اتجه المسلمون قبل يثرب في عدة اتجاهات أولها الحبشة حيث هاجر إليها الكثير من المسلمين الأوائل وكان معظمهم من القرشيين الأشراف ، ثم كان اتجاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في محاولة أخرى لإيجاد قاعدة أخرى آمنة للدعوة ولكنها محاولة لم تنجح لأن كبراء ثقيف سلطوا عليه سفهائهم وصبيانهم فرجموه بالحجارة وأدموا قدميه الشريفتين وفي هذه الرحلة الشاقة دعى النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه الخالد الذي يعلمنا من خلاله أن المؤمن المجاهد إذا إضيقّت عليه الدنيا وأُغلقت في وجهه الأبواب وعظمت عليه الخطوب يتجه سريعاً إلى الله مولاه وناصره ، والشكوى في ذاتها عبادة لله تعالى وتذللاً وطاعة وقربى ، والدعاء لله هو السلاح الأقوى والأمضى على مر العصور والسنين ولا تعارض هنا بين الشكوى والصبر على المحن لأن المحن هي مشقّة وتعب وآلام في ذاتها والإنسان يبقى إنسان وبشر في النهاية يحتاج للمدد الإلهي على الدوام ومن هذا الباب كان الدعاء العميق الخالص من النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى عدوٍ ملكته أمري ! أم إلى بعيد يتجهمني ؟ إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أبالي . ولكن عافيتك أوسع لي . وأعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ،أن تنزل بي غضبك ، أو تُحلّ عليَّ سخطك ، لك العقبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك )
نعم لا حول ولا قوة إلّا بالله ،فإذا كان النبي المؤيد والمعصوم يدعو بهذا الدعاء فنحن أحوج بأن ندعو به خاصة ونحن الغرباء في هذا الزمان .
على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خلال هذه الفترة كلها يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج من كل سنة يدعوهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ،وأن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة فلا يستجيب له أحد .ومنهم من اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينصره بعيداً عن اعتناق الدين لكنه رفض صلى الله عليه وسلم لأن في هذا إخلال بالشروط الإسلامية ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد مجتمعا ً مسلماً وجماعة مؤمنة ولائهم لله تعالى وحده يشكلون قاعدة لإقامة دولة الإسلام ,لأن الدولة المنوط بها كل هذا الزخم من التشريعات والتطبيقات والحدود والحقوق والواجبات وأعظمها حمل الدين لكل العالمين , حري بها أن تؤسس على قاعدة صلبة سليمة وفى بيئة سليمة وكل ما يتلوا ذلك من متطلبات الدنيا ومواصلة الحياة والإعمار تبعا لتلك القاعدة وذلك الأساس .
وحول عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل يقول ابن سعد في طبقاته (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوافي الموسم كل عام يتبع الحجاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاذ , يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة ,فلا يجد أحدا ً ينصره ,ويقول (قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا وتملكوا العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة ) وأبو لهب وراءه يقول ( لا تطيعوه صابئ كاذب ) فيردون على رسول الله أقبح الرد ويؤذونه) اهـ.


ورفض النبي صلى الله عليه وسلم كذلك البيئة التي اشترطت عليه أن يكون لهم الأمر من بعده فقد روى ابن إسحاق عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس ( والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ) ثم قال ( أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ ) قال صلى الله عليه وسلم ( الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء ) قال , فقال له ( أفنهدف نحورنا للعرب دونك , فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك ) اهـ.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا كله وجد القاعدة الحرة القوية حيث فتح الله عليه من حيث لا يحتسب فكانت بيعة العقبة الأولى وتسمى بيعه النساء لأنه لم يبايعهم فيها على الحرب والجهاد ولأن الجميع رجالاً ونساءً بايعوه على نفس البنود , ثم كانت بيعة العقبة الثانية وتسمى بيعة العقبة الكبرى وكانت في موسم العام التالي حيث مكث مصعب بن عمير _مقرىء المدينة _ عاماً كاملاً في يثرب وقد عاد ومعه جمع كبير من مسلمي المدينة من الأوس والخزرج وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبايعوه وتمت البيعة بحضور العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم .
ومما وردت به الروايات في هذه البيعة ما قاله محمد بن كعب القرظي ، قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم _ يعني ليلة العقبة _ ( اشترط لربك ولنفسك ما شئت) فقال صلى الله عليه وسلم ( أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ) قال ( فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ ) قال صلى الله عليه وسلم ( الجنة ) قالوا ( ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل ) .
وبذلك كانت بيعة العقبة الثانية إيذاناً بإقامة دولة الإسلام في المدينة المنورة بعدما استوفت الشروط كلها .. فهاجر المسلمون إلى المدينة تباعاً فارّين بعقيدتهم وحدها قوبلوا بالإيثار والإخاء الصادق الذي لم يشابهه إيثار من إخوانهم الذين تبوأوا الدار والإيمان .
ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه وأرضاه إلى هذه القاعدة الحرة القوية الآمنة وقامت دولة الإسلام فعلاً منذ اليوم الأول لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم .
إننا عندما ندقق في بحث النبي صلى الله عليه وسلم عن قاعدةٍ آمنةٍ متينة للدعوة خارج مكة من هجرة المسلمين للحبشة وذهابه للطائف وما إلى ذلك من عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل ، ثم إقامة دولة الإسلام في المدينة المنورة يتضح لنا بصورة جلية أن إقامة صرح الإسلام غير مقيدة ببقعة معينة من حيث قدسية ما إذا لم تستوف هذه البقعة شروط التمكين ...
فمكة المكرمة هي أطهر البقاع وأقدسها على الإطلاق وأحبها إلى الله ورسوله ، ولكنها احتوت على مجموعة من العوائق التي اضطرت النبي صلى الله عليه وسلم البحث عن قاعدة أخرى مكَّن لدين الله فيها ثم إنه انطلق بعد ذلك منقذاً وحرراً في كل اتجاه وأبرز هذه الاتجاهات مكة المكرمة نفسها ، وهذا هو الشرط الأهم أن يعود المجاهدون محررون مع أول فرصة لذلك .
هناك لفتة لا تقل أهمية عما سبق ، فإقامة القاعدة المثلى غير مقيد بمدى المساحة أو أنه يجب أن تكون كبيرة لتشمل جزءاً كاملاً لأن هذا من شأنه أحياناً أن يؤخر الأمر أو يعيقه ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقام الدولة الإسلامية في مدينة معينة الحدود على أن يتم الانطلاق للتبليغ وعدم إغفال التنسيق مع المجاهدين المخلصين من المناطق الأخرى ، فربما يكون الانطلاق من مدينة استوفت الشروط السابقة وربما من قرية حتى أو حي ، المهم أن تسود في هذا المجتمع المبادئ الإسلامية الطاهرة والبيئة السليمة وقاعدة الانطلاق القوية .
واعلم أخا التوحيد أن الدولة ليست غاية في ذاتها ، إنما تكون البداية لنشر الدين الإسلامي في الأرض كل الأرض ، وكفانا في جهادنا وصبرنا على المحن والابتلاءات من أجل مبادئنا وعقيدتنا كفانا وحسبنا صلوات ربنا ورحمته وهدايته ، يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى في البقرة {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } يقول ( إنه لا يعدهم هنا نصراً ، ولا يعدهم هنا تمكيناً ، ولا يعدهم هنا مغانم ، ولا يعدهم هنا شيئاً إلا صلوات الله ورحمته وشهادته . لقد كان الله يعدُّ هذه الجماعة لأمرٍ أكبر من ذواتها وأكبر من حياتها . فكان من ثم يجردها من كل غاية ومن كل هدف ورغبة _ حتى الرغبة في انتصار العقيدة _ كان يجردها من كل شائبة تشوب التجرد المطلق له ولطاعته ولدعوته . كان عليهم أن يمضوا في طريقهم لا يتطلعون إلى شيء إلّا رضى الله وصلواته ورحمته وشهادته بأنهم مهتدون .. هذا هو الهدف وهذه هي الغاية وهذه هي الثمرة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها ، فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليست لهم إنما هو لدعوة الله التي يحملونها ) انتهى من الظلال .
ولقد سبقت كلمة الله لعباده المرسلين أنهم لهم المنصورون وأن جنده لهم الغالبون فمن رام في الدنيا الظفر ، وعند الله الفوز الأكبر ، جناتٍ ونهر في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ، فلا بد من التزام درب المجاهدين وإظهار التوحيد الحق للناس وإخراجهم من ظلمات الشرك والتنديد إلى نور التوحيد ، وهذا هو المقصود الأعظم ، وما الدولة الإسلامية أصلاً إلا وسيلة من وسائل هذه الغاية العظمى .. فالزم أخانا درب الموحدين وابذل النفس من أجل الدين ، فإنها والله الشهادة ، والخلود في السعادة ، ولك في أصحاب الأخدود عبرة ، فإن ذلك الغلام الصادق ما أقام دولة وما كان له صوله ولكنه أظهر التوحيد أيما إظهار وانتصر للحق أيما انتصار فكانت الشهادة مناله والجنة مآله وما قيمة الدنيا كلها وما وزن القتل والتحريق أمام الفوز بالجنة والنجاة من النار كانت الدولة أم لم تكن ...
ولعله من الضرورة بمكان أن نثمن الجهود المباركة التي آمنت بهذه الفكرة ، وأرادت جمع الأمة بكلها على هذا الأساس الذي يمثل الإسلام الشامل الذي تنبثق من خلاله المؤسسات والهيئات المختلفة ، وأنه لا فصل بين الدين والسياسة في الممارسة وأن حمل الدين شعاراً يقتضي أن يكون الأصل هو الدين في التسمية والمضمون والممارسة ، وإلّا فما الفارق بيننا وبين الآخرين ممن نعيب أو ننتقد أو نلوم ...
وإذا مثلنا بالتيار الجهادي الرباني صاحب الرؤية الشاملة الواضحة والإرث العريض من التضحيات وإن اعترى التطبيق بعض المعضلات في بعض المواقع نتيجة لظروفٍ قاسية وأعباءٍ جسيمة واجهها التيار .
فالتيار الجهادي جزء من سلسة النهضة لهذه الأمة العريقة الطاهرة الخالدة بخلود دينها ، فقد كان هذا التيار المبارك الممتد في كل الأقطار نتيجة حتمية للهجة الصليبية الصهيونية على أمتنا بمقدراتها وأبنائها ودينها الحنيف بعد أن أدرك الغرب جيداً أن هذا الدين أساس قيام الأمة وعماد رفعتها فازدادت هجمته الوحشية على الدين وحامليه من المخلصين مما ساهم بدرجة كبيرة وأساسية في تبلور هذا التيار الطاهر ، فبعد الحروب المتوالية على الأمة من فلسطين وأفغانستان والشيشان وكشمير وصولاً إلى البوسنة والهرسك والقوقاز ثم العراق والصومال وزيادة تلك الهجمة من الكفر العالمي بمكوناته المختلفة مع غياب الرادع القوي ، بدأ السعي جدياً للانتقال من مرحلة الركون الدعوي المختزل في صورٍ محددة لا ترقى إلى طموح الشاب المسلم الذي يرى حال أمته ولا تلبي الرغبة الشريفة لديه ، خاصة مع زيادة التخاذل الداخلي والانبطاح السافر في ظل هذه الصور وعدم جدواها في الحد منه ، وأقصد " الدعوة التقليدية " ولا أغفل دورها التربوي فقد وقفت من خلاله على ثغرٍ هام من ثغور الإسلام بتعريف الناس بدينهم ، بدأ السعي للانتقال إلى مرحلة جديدة من الهجوم المضاد أو بالأحرى كبح جماح الهجمة الرهيبة للمادية الغربية الممزوجة بالإرهاب والحقد المتجذر في نفوسهم على الإسلام المحرر وأهله الأفاضل الذين سعوا من خلال كل الحركات الجهادية النابعة من فكر التيار المبارك إلى :-
(1) هداية الناس وتحريرهم من ربق الشهوات والضلالات وتوجيههم إلى عبادة الله مولاهم الحق من خلال المعتقدات السليمة .
(2) إقامة دولة الإسلام الحامية لهذه المعتقدات الداعية لها والتي ستجلب إليها كل الطاقات الكفيلة بنهضتها والذود عن حياضها ليأوي إليها كل مسلم .

والآن بعد توضيح الفكرة واستعراض المثال الجهادي المبارك . تسأل من نحن ولماذا الجهاد ؟؟
لقد نشأنا فوجدنا علماً مفقوداً وأمة جاهلة ومعاصي متفشية وأرضاً مغصوبة وحكاماً مرتدين , فما الواجب الملقى على عاتق من علّمه الله وفقّهه ؟
لقد قيض الله في زماننا أمراً عظيماً هو انتشار كتب السلف وإقبال الناس عليها بعدما كانوا إلا قلة قليلة لا يعرفون من كتب العقائد إلا كتب أهل الكلام ولا يقرؤون الفقه إلا من كتب المتون ولا يعرفون من كتب التربية إلا التربية الصوفية ولكن الله برحمته هيّأ لكتب السلف من يطبعها ويحققها فطبعت مؤلفات ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام "ابن تيمية" وطبعت كتب السنة والتوحيد كالسنة لعبد الله بن الإمام أحمد والسنة لابن أبي عاصم والتوحيد لابن خزيمة والشريعة للآجري ، ثم تتابع السيل المبارك . ثم اجتمع العلماء الذين هم همزة الوصل للطائفة المنصورة الباقية وبدؤوا يحاولون فهم واقعهم على ضوء فهم أئمة هذه الطائفة بدءاً بأبي بكر الصديق إلى قول أي عالم أصاب الحق والهداية وارتبط بالكتاب والسنة فكان ما خرجوا به أن الأمة غيرت وبدلت وأصابها الجهل في كل جوانب هذا الدين ، وبسبب جهلها وقعت في المعاصي واقترفت البدع بل إن بعضها لحق بالمشركين واتبع دينهم ، ثم نظروا فوجدوا أنه استولى على أمرهم وقيادتهم حكاماً باعوا دينهم للشيطان ودخلوا في دين المشركين وسرقوا مقدرات الأمة وخيراتها وأغلقوا كل طريقٍ للخير فعطلوا المساجد ودور العلم ولاحقوا العلماء والدعاة إلى الله .
وسلكوا كل طريق للشر فنشروا الردة وزينوا للناس الكفر من علمانية وديموقراطية وشيوعية واشتراكية . وأوجبوا على الناس المعاصي من ربا وفجور ونشروا الرذيلة والخنا والخمور ، ونحن نرى الأسماء هي الأسماء وأما الحقائق فتخالف ذلك كله .. ثم وُجد من حسن الأمر وأسبغ عليه الشرعية من علماء مضلين وقفوا على أبواب جهنم يقذفون من أطاعهم .. فقُلبت عندهم الأسماء فالزندقة عندهم حرية والدخول في دين الطواغيت ديموقراطية وموالاة الكافرين سلاماً ووحدة وطنية وسَّموا زنا المرأة فناً وحرية اختيار وبيع الأوطان سلاماً وحسن جوار كل ذلك أبصرناه ونحن مقبلون على ربنا ، فتعلمنا من ديننا ما تعلمنا فحملنا كلمة الحق وقذفناها في صدور الأعداء والمناوئين وبدأنا ندعوا إلى الله ونكشف للناس حقيقة ما هم عليه والواجب الملقى على عاتقهم وجماع ذلك في كلمتين ... الدعوة إلى الله ... والجهاد في سبيل الله
الدعوة إلى الله وفيها تعليم الناس ما جهلوه من التوحيد والسنة ، وفيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... والجهاد في سبيل الله ضد الكفار الأصليين المحتلين لأرض المسلمين وكذلك ضد المرتدين الظالمين المتسلطين على رقاب المسلمين ...
فالجهاد هو ذروة سنام ديننا ماضون فيه حتى نتحرر من كل كافرٍ وطاغوت ونقيم شرع الله المعطل بإذنه تعالى ...
ولعله من المهم هنا توضيح حقيقة ثابتة راسخة ، فالهداية والاقتناع هي أصل دعوتنا الجهادية وحجر أساسها ، ونحن لم نكن في يومٍ من الأيام غلاة أو قتلة أو غيرها من المسميات التي ما عادت ببطلانها إلا على البلهاء .
فدعوتنا الإسلامية الطاهرة لم تنتشر يوماً بحد السيف كما يتشدق المستشرقون وأبواقهم الحاقدون بل من خلال الاهتداء والاقتناع فبعد تبين الرشد وهو الإيمان الذي ينبغي أن نتحراه ونلتزمهُ من الغي وهو الكفر الذي ينبغي الفرار منه وتحذير الناس منه ، و بإقامة صرح الخلافة الحاضن لكل المسلمين لم ولن يكره المسلمون أحداً على الدخول في هذا الدين واعتناقه كعقيدة فلا إكراه في الدين بهذا المعنى ومن فضل البقاء في حياة الضياع فليبقى ولكن عليه الالتزام بالإسلام " نظمه وقوانينه " وليس له أن يفرض الضياع على غيره من المسلمين سواء يحملهم على الدخول معه في ضياعه بالترغيب والإغراء والتشريق والإغواء والغزو الفكري ، أو بتشكيل حاجز مادي يحول دون هداية الناس من خلال القوة ويكون عقبة في طريق الحق الذي هو شرعة الحياة .
وإلا فإن المجاهدين يسعون في هذه الحالة بالجهاد إلى إزالة هذا الحاجز المانع أياً يكن أهله أو مضمونه الذي يحول بين الناس وبين الإسلام بل بين المسلمين أنفسهم وبين فهم دينهم بالصورة الصحيحة التي تصوغ لهم الحياة كما أرادها لهم خالق الحياة . فاعلم أخا التوحيد أنه كما قال تعالى{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } قال كذلك {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ } ...
ومشروعية الجهاد في الإسلام جائت من هذه الجهة العظيمة _ عدم إكراه الناس بالسيف على إعتناق عقيدة الإسلام , ولكن حمل السيف لإقامة نظام آمِن يأمن في ظله أصحاب العقائد جميعاً ، ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته .
واعلم كذلك أن الجهاد ما يزال مفروضاً لإقامة هذا النظام الرفيع " حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " ، فلا تكون هناك ألوهة للعبيد في الأرض ولا دينونة لغير الله .
يقول ابن تيمية رحمه الله :-
( وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هي العليا ، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين ، وأما إن لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والزمن ونحوهم فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو بفعله وإن كان بعضهم يرى بإباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان . والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله وذلك أن الله أباح مِن قَتلِ النفوس ما يُحتاج إليـه في صلاح الخلق ، كما يقول تعالى { وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } أي :- إنَّ القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي الفتنة _ فتنة الكفار _ من الشر والفساد ما هو أكبر , فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرَّة كفره إلا على نفسه . ولهنا قال الفقهاء " إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة يُعاقب بما لم يُعاقب الساكت " . وجاء في الحديث " إن الخطيئة إذا أُخفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا ظهرت ولم تنكر ضرَّت العامة " ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم ، بل إذا أُسِرََ الرجل منهم في القتال أو في غير القتال مثل أن تلقيه السفينة إلينا أو يضل الطريق أو يؤخذ بحيلة فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته ) اهـ .
ويشمل المجهود العظيم والمتواصل لحملة فكرة العمل المتكامل من أبناء التيار الجهادي يشمل " الجهاد الفكري " وذلك بطرح كل الأفكار الخبيثة وتنقية الأفكار المشوبة بالشبهات من رؤوس الناس وغرس الفكر الإسلامي الجهادي الحي النقي والصحيح بدلاً منها . وبمعنى آخر إعادة بعث الإسلام الثوري الجهادي من جديد في حياة الأمة من خلال تيار جهادي مركزي حامل لمواريث النبوة العظيمة العطرة المباركة ، وخلق جيل جهادي يتسم بالوعي قادر على تسلم مفاتح المؤسسات الدعوية و الجهادية المختلفة ، والنهوض بأمانة التكليف تجاه أبناء هذه الأمة المثقلة بهموم الغزو والتغريب والجهل بدينها وسرقة مقدراتها وطمس المواهب والكفاءات فيها على أيدي الكفر بأشكاله المختلفة وأزلامه الطاغوتية الحاقدة .
بعد هذا الوعي الثابت لدى جيل النصر الموعود من أبناء الأمة سيضيق نطاق الكفر وسيتكشف أئمة الضلال ويتقوقعوا ليصبحوا في النهاية حالة شاذة يشعر كل فرد من أفراد التيار الجهادي الواعي أنها دخيلة على أمته بموروثاتها ومعتقداتها الفاسدة الباطلة فيعمل على إيصال هذا الفهم الخالص للناس كافة ويسعى كذلك من خلال الجهاد ومع الشرفاء من الأمة لإزالة كل هذه الحواجز التي تحول دون إدراك الناس لغاية الهداية والعيش في ظل حياةٍ حرةٍ آمنة كريمة .
لعلنا أوضحنا من خلال ما تقدم الغاية الكبرى التي نسعى إليها من خلال المشروع الجهادي الموحد وهي إعادة بعث وإحياء الدين بعلومه المختلفة في حياة الأمة بالوسائل العصرية المتاحة ومن خلال بوتقة جهادية جامعة تنتهي على الدولة التي يحكم فيها بشرع الله تعالى أينما أتيح لها أن تقوم لتكون النواة الصلبة لخلافة راشدة ، أو على الأقل تنظيم حياة الناس على أساس إسلامي طاهر وسبيلنا إلى ذلك بعون الله مولانا يتلخص في كلمتين ( الدعوة إلى الله .. والجهاد في سبيل الله ) .
وعليه فهناك العديد من الطاقات والكفائات التي يستلزمها هذا الجهد المبارك للنهوض الشامل بهذه الأمانة العظيمة والتي يجب أن تُهدر إلا في كل عملٍ يُرجى أن يعود بخير كثير ، ومجهودنا هذا حتماً سيواجه المعوقات والمحن وشأنه شأن أي جهدٍ صالح يتعارض مع المبادئ الطالحة ، وعليه فلا يُعقل أن نفرغ طاقاتنا في معارك جانبية لا يكون لها التأثير المطلوب في عملية التغيير والتوعية الأكبر على البديل الجهادي خاصة أن التيار لا يسعى للصدام والمواجهة في الداخل بقدر سعيه للبناء والتوعية ولو في مراحله الأولى على الأقل ، ولربما شجعت بعض الحالات في زيادة الهجمة المضادة ، وهذا لعمري تفكير العاقل المتبصر ، فكم مجاهدٍ أقدم على عملٍ كان من شأنه التفاقم وزجَّ بإخوانه في معتركٍ أودى كونه نتاجاً لهجمات مضادة مدروسة سواء باللسان أو بالسنان ، أودى إلى الفشل الذريع وربما قتل الطفل في مهده وهذا ما يرجوه أزلام الضلالة في المنطقة من كل تلك الممارسات الوحشية القذرة والمتوقعة بشتى أشكالها ومسمياتها .
أخوة التوحيد .. لا شك أن الجهود إذا ما تظافرت وأن الأيدي إذا ما تعاضدت وأن القلوب إذا ما توحدت كلها تحت راية الشرع الحنيف والأصيل ، فإنها ستجني الثمار المرجّوة من نصرة الدين والاستخلاف في الأرض في مدة زمنية محددة ودون خسارة تذكر ، فالربح كل الربح واللهِ في التراص صفاً واحداً ولا أعتقد بتاتاً أنه مستحيل أو أننا غير قادرين على ذلك ، فما استعرضناه من الفكرة يستدعي منا التوقف والتفكير ملياً وبشكلٍ جاد في تجربة البوتقة الجهادية الواحدة والفكرة الإسلامية الشاملة ومن خلال الدعوة المتكاملة الجوانب ولو بكون البداية من واقعنا فنحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما /
1 _ إما أن يبقى كلٌ على تصوره المختزل نافياً كل ما سواه أو متقبلاً له على مضض وبذلك تبقى حالة التشرذم وعدم وضوح ملامح الأفق المستقبلي الذي ينتظر المسلمين على الأرض .
2 _ وإما التوحد والتمترس جداراً متيناً بادئين الوحدة الشاملة لكل المسلمين وكل الجهود .
يقول الدكتور عبد اللطيف آل موسى ( وتشيع المسلمون اليوم إلى شيعٍ وأحزاب كل حزب بما لديهم فرحون ، الكل ينظر إلى جماعته وحزبه بأنهم الفرقة الناجية وغيرهم على ضلال وعلى هلاك وعلى شفا جرفٍ هار والكثير من المسلمين اليوم يضع مصلحة الحزب فوق مصلحة الدين حتى وإن زعم أنه يخدم دين الله عز وجل ولذلك أصبح القانون الذي يحكم في البلاد وبين العباد ( إن كنت من حزبنا وجماعتنا فأنت حبيبنا وإن لم تكن من حزبنا وجماعتنا فأنت بغيضنا حتى وإن قلت قال الله .. قال رسوله ) وأصبح القانون الذي يحكم بين الناس ( من يدفع أكثر فنحن معه ) فأصبح الرجل يبيع دينه بعرض من الدنيا بثمنٍ بخسٍ ودراهم معدودة وأصبح في دينه من الزاهدين ، وصدقت فينا نبوءة نبينا صلى الله عليه وسلم إذ يقول في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ) .
وحتى نبرأ إلى الله من كل تفرق واختلاف نقول أن هذه الوحدة هي غايتنا وغاية كل مسلم حرٍ حريصٍ على دينه ورفعته وعلى الناس وهدايتهم ، ولا أظن المعارض إلا ضال أو مستفيد من التشرذم ولربما خائف من الإقدام على تجربةٍ ربما تكون صعبة في رأيه لأنها جديدة ، ولكننا نرى أن الأمر من الوضوح واليسر بحيث ينتهي معه كل خوف أو تردد .
إننا هنا لسنا بمعرض إضافة رؤية إلى رؤى قائمة أو تصور إلى مجموع التصورات على الساحة ، ولكننا أردنا من هذا الجهد المتواضع أن يكون أساساً لتجديد وبعث الدين الخالص العملي البعيد عن الحصر والمسميات والذي نسأل الله العظيم أن يوفقنا إليه ويهدي إليه الطاقات والمجهودات والكفائات الكثيرة من شتى الاتجاهات وأن يهدي بنا الحيارى إلى سواء السبيل وأن يكون جهدنا وجهادنا لبنة في جدار الخلافة الراشدة ، أو على الأقل منظماً لحياة الأمة ومرشداً لها على أطهر البقاع ، ولن تقوم لنا أي قائمة إلا بالرجوع لديننا والدراسة الواعية لتاريخنا وواقعنا والفهم العميق والدقيق لعلوم ديننا المختلفة ووضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالدعوة من منهاج ومقاصد وأهداف ووسائل وشروط وحقوق وواجبات ، حتى نرشد الناس جميعاً إلى الرؤية الواضحة الشاملة الممثلة في ديننا كلاً متكاملاً غير قابل للتجزئة أو الحصر " أمةً وسطاً في طريقنا " فلا المغالاة والتشدد طبعنا ولا التفريط والانبطاح شأننا ولعله من الملاحظ اليوم وبوضوح أن الجميع وتحت وطأة الهجمة الكافرة المسعورة على أمتنا أصبح يتحدث عن " المغالاة " وما عاد من أحد يتحدث عن " الانبطاح" بل مارسه البعض من الذين يدعون " الوسطية " هروباً من التشدد رغم تحفظنا على المصطلح _ الوسطية _ وفي حقيقة الأمر فإن ما يقولونه ويفعلونه ليست وسطية بل هو الانبطاح السافر والتفريط بعينه .
وللحق فإننا سننقل هنا كلام سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } حتى يتضح معنى الأمة الوسط لكل ذي لب . يقول :- إنها ( الأمة الوسط ) التي تشهد على الناس جميعاً فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين و القيم ويكون رأيها فيهم هو المعتمد وتكون بينهم بمثابة الميزان لكل قيمهم وتصوراتهم فتحكم بينهم بالعدل وهي تتلقى القيم والموازين من الله وحده .
وإنها (للأمة الوسط ) بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل أو الوسط بمعنى الاعتدال والقصد أو الوسط بمعناه المادي الحسي .
(أمة وسطاً) في التصور والاعتقاد لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس الروحي المادي ..
(أمة وسطاً) في التفكير والشعور لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ولا تتبع كذلك كل ناعق وتقلد تقليد القردة إنما تستمسك بتصوراتها ومناهجها وأصولها ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب وشعارها الدائم : الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها في تثبت ويقين .
(أمة وسطاً) في التنظيم والتنسيق .. لا تدع الحياة كلها للضمائر والمشاعر ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب .
(أمة وسطاً) في الارتباطات والعلاقات .. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته لحساب الجماعة أو الدولة ولا تطلقه في المقابل فرداً جشعاً لا هم له إلا ذاته .
(أمة وسطاً) في المكان في سرة الأرض وفي أوسط بقاعها وبموقعها هذا تشهد الناس جميعاً وتشهد عليهم وتعطيهم ما عندها من ثمار الروح والفكر والطبيعة .
(أمة وسطاً) في الزمان .. تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها ، وتقف في الوسط تنفض عن البشرية أوهام وخرافات طفولتها وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى ) انتهى بتصرف .
على أنك أخا التوحيد هداك الله ورعاك يجب أن تعلم علم اليقين أن الأمة نالت الأفضلية وشهادة الله لها بأنها الأمة الوسط لأنها الشاهدة على الناس جميعاً يوم القيامة بأن الرسل قد بلغوا وأن الأقوام كذبوا .. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يُجاء بنوح يوم القيامة فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم يا رب ، فتسأل أمته : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما جائنا نذير . فيقول : من شهودك ؟ فيقول محمد وأمته . فيُجاء بكم فتشهدون ) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } قال :- (عدلاً) ( لتكونوا شهداء ويكون الرسول عليكم شهيداً) .
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال لهم : هل بلغكم هذا ؟ فيقولن لا فيقال له : هل بلغت قومك ؟ فيقول نعم فيقال له : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته ، فيدعى محمد وأمته فيقال لهم : بلغ هذا قومه ؟ فيقولون نعم . فيقال : وما علمكم فيقولون :- جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك قوله _ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً _ قال يقول عدلاً _ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) .
واعلم أيها المجاهد أن عبء توضيح الدين ونشره في العالمين أمانة عظيمة ملقاة على عاتق كل مسلم لأن وظيفته ودوره تحتم عليه أن يتحمل التبعة ويبذل التضحية ولا بد أن يفتن أولاً وقبل كل شيء ولا بد أن يبتلى ليتأكد خلوصه لله وتجرده واستعداده للطاعة المطلقة والاستجابة الخالصة له سبحانه
ومن رام حقـاً دخـول الجنـان وشـاء العنـاق لحـورٍ حسـان
فـلا بـد من تبعـات الطـريق ولا بـد من بـذل مهـرٍ ثميـن
وهي مسؤولية منوطة بكل واحدٍ منا تجاه نفسه أولاً ، وتجاه عامة المسلمين الذين غاب عنهم القائد والموجه بغياب المؤسسة الدينية ، وأقصد المؤسسة التي تسدُّ مسد الدولة حتى حين والتي من شروطها الوصول لكل بيت وممارسة أكبر قدر من الناس للإسلام في كل جزئيات حياتهم ، بمعنى أن يصبح هناك كمَّاً يعيش الإسلام وللإسلام وهذا ما يدل عليه قول ابن تيمية ( الأمة هي الحافظة للشرع ) وهذا من شروط النصر والتمكين لأن نصر الله لعباده المؤمنين مرتبط ارتباطاً وثيقاً بل نتيجة حتمية لنصره في الأرض على أيدي عباده المؤمنين وذلك بتطبيق شرعه على الأرض اهتداء وهداية اعتقاداً وسلوكاً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }محمد7
ونصرنا لله تعالى يبدأ بتحريض العامة على جهاد الكفار والطواغيت وأن يسعوا بكل السبل إلى إيجاد الوعي العام الذي دندنا حوله على وجوب تطبيق شرع الله بعد إزالة الموانع والحواجز وليست شرطاً أن يشارك كل الشعب في بلدٍ ما في هذا الجهاد بل يكفي أن تشارك نسبة معينة تتكون بها الشوكة القادرة على فرض النظام الإسلامي ثم حمايته من أعدائه في الداخل والخارج على أن تكون بقية الشعب متعاطفة أو على الأقل محايدة غير معاونة للطواغيت حتى يتبين لها الحق ولن يكون التعاطف أو الحياد إلا بعد نشر العلم الشرعي بين الناس بوجوب جهاد الكفار والطواغيت وأن كل فرد من العامة مأمور شخصياً بقتالهم ما دام مسلماً وإن كان فاسقاً ومرتكباً للموبقات فإن الفسق لا يسقط الخطاب الشرعي بالجهاد واعلموا أيها المجاهدون أن ثمرة التغيير المأمول لن تأتي ما دامت قضية الجهاد مقصورة على الخاصة لأن فيه مصادمة للقاعدة التي لا تتبدل { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }الرعد11
فاعملوا جهدكم ليل نهار بالدعوة الفردية والجماعية على تحويل الجهاد من قضية جماعات الصفوة إلى قضية كل المسلمين حتى تنقلب الدائرة على الكفار والطواغيت وأعوانهم ليتم عزلهم عن عامة المسلمين بعد كشف كفرهم وإجرامهم ، وحتماً سيأتي وعد الله ، إن الله لا يخلف الميعاد {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ * وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ }القصص38
واعلم يا عبد الله أن الله تعالى هو الغاية العظمى الذي لا تعلوه ولا تقدم عليه غاية وكل شيء في سبيله يهون ويرخص ، وعليك أن تجرد جهادك لله مولاك ، وهو حينما يتفضل عليك فإنما يتفضل إحساناً ، وإن ابتلاك فعدلٌ منه سبحانه وعلينا أن ننصره دون انتظار مقابل ، إنما لأنه الله الآمر والناهي ورضاه أملنا جميعاً ويكفيك مرضاته .. يقول سيد رحمه الله في المعالم ( لقد كان القرآن ينشىء قلوباً لحمل الأمانة ،وهذه القلوب كان يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد بحيث لا تتطلع وهي تبذل كل شيء وتحتمل كل شيء _ إلى شيء في هذه الأرض ولا تنظر إلّا إلى الآخرة ولا ترجوا إلا رضوان الله ، قلوباً مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها في نصب وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية حتى الموت .
بلا جزاء في هذه الأرض قريب ، ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة وغلبة الإسلام وظهور المسلمين بل لو كان هذا الجزاء هو هلاك الظالمين بأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، كما فعل بالمكذبين الأولين !
حتى إذا وجدت هذه القلوب التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض إلا أن تعطي بلا مقابل _ أي مقابل _ وأن تنتظر الآخرة وحدها موعداً للفصل بين الحق والباطل . حتى إذا وجدت هذه القلوب وعلم الله منها صدق نيّتها على ما بايعت وعاهدت ، وآتاها النصر في الأرض وائتمنها عليه . لا لنفسها ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي أهل لأداء الأمانة منذ كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه ، ولم تتطلع إلى شيء من المغنم في الأرض تُعطاه . وقد تجردت لله حقاً يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه )
ولا بد للسائرين على درب دعوتنا الطاهرة باتجاه تحقيق الغاية الكبرى بإذن الله لا بد لهم من معرفةٍ شاملةٍ بمعالم دربهم العظيم ، وطريقهم المستقيم ، ولوازم الدرب والطريق ، لا بد لهم من معرفة الدعوة التي يسعون لنشرها وإقرارها وتطبيقها معرفةً تزيد من تمسكهم بها وحرصهم على إقامة صرحها .
ولقد أوضحت ذلك من خلال ما تقدم واستكمالاً للفكرة والموضوع رأيت أن أكتب عن المبادئ الأساسية للدعوة الجهادية والتي أجملتها في خمسة مباديء هي المنهاج والشروط والواجبات والحقوق والأهداف وما يندرج تحت هذه العناوين من تفصيلٍ وتأصيلٍ راجياً من الله تعالى السداد والتوفيق وأن يجعل هذا المبحث قاعدة إنطلاق لمن أراد الإنعتاق .

المبادئ الأساسية للدعوة الجهادية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
l3wine

avatar

عدد الرسائل : 50
نقاط : 3056
تاريخ التسجيل : 21/10/2010

مُساهمةموضوع: رد   2010-11-06, 17:55



الباب الأول


} منهاج الدعوة الجهادية {

ويشتمل على ثلاثة فصول :

الفصل الأول / القرآن الكريم
الفصل الثاني / السنة المطهرة
الفصل الثالث / الاجتهاد الصحيح

المبادئ الأساسية للدعوة الجهادية

الباب الأول

} المنهاج {

يا أمة لست أدري ما أقول لها وهل يسمع ما أُمليه وسنانُ
إلى متى نكتفي في كل معضلةٍ بنظرة الحزن لا لن تجدي أحزان
لن يبعث الحزن أبناءً لنا ذهبوا ولن تُرد لأجل الحزن أوطان
لن يرجع الحزن ما قد ضاع من أمل بل سوف يقضي على الأحزان نسيان
يا أمة أخطأت درب الهدى فأتى حصادها يوم ربح الناس خسران
عودي إلى منهجٍ كنتِ به علماً يعلو الرؤوس كما تعلوه تيجان


***********************


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }
أما بعد/
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار . اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم .
فإن الله لم يخلق الخلق عبثاً بل خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له كما قال تعالى :- {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } وقال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء }
ولم يترك الله جل في علاه الخلق هملاً ولا سدى ، بل أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وأمرهم أن يعبدوه وحده ويكفروا بما يعبد سواه لأنه خالقهم وحييهم ومصورهم وهو الأعلم بما يصلحه ويسعدهم في كلا حياتيهم الأولى التي يقضونها سريعة على هذه الأرض والأخرى التى تكون في عالم غير هذا العالم حيث إما جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الموحدين وإما نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ولم يتبع الرسل وكفر بربه وظاهر عليه إبليس الطاغوت الأكبر ...
والناس بحاجة دائمة لله تعالى منذ وجدوا على هذه الأرض فهم بحاجة ماسّة إلى قوانين ضابطة تعدل من غرائزهم وتنظم سلوكهم وتهيأهم للكمال وتأمرهم بالخير فيلتزموه وتنهاهم عن الشر فيجتنبوه ,ورأس كل خير توحيد الله تعالى ورأس كل شر الكفر بالله وعبادة الطاغوت ولذلك كانت هذه القضية هي الهم الأكبر والغاية العظمى للأنبياء والرسل لا يصرفهم عنها صارف ولا يشغلهم عنها شاغل ,ولم تقبل عندهم المساومة أو يرضوا فيها بأنصاف الحلول ونحن بعون الله على أثرهم سائرون ولنهجهم مقتفون وما سردنا هذه المقدمة إلا لنبين أهمية هذه المسألة كرأس لمنهجنا وخطورة الإستهانة بها ..وسنعمل على إيضاحها بشكل مفصل فى هذا المبحث . وليس عبثاً
أن كانت كلمة التوحيد "لا إله إلا الله " كما يقول ابن القيم رحمه الله : -
(لأجلها نصبت الموازين ووضعت الدواوين وقام سوق الجنة والنار وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار والأبرار والفجار و بها أُسست الملة وجردت السيوف للجهاد وهى حق الله على العباد ) اهـ.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (فمن نصح نفسه وأهله وعياله وأراد النجاة من النار فليعرف شهادة أن لا إله إلا الله فإنها العروة الوثقى وكلمة التقوى ,لا يقبل الله من أحدٍ عملاً إلا بها لا صلاة ولا صوماً ولا حجاً ولا صدقة ولا جميع الأعمال الصالحة إلا بمعرفتها والعمل بها وهي كلمة التوحيد وحق الله على العبيد )
والأنبياء كلهم جاءوا بهذا الأصل العظيم فهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( الأنبياء أولاد علّات ) أي أن أصلهم واحد وإن اختلفت شرائعهم ، وقد أمروا جميعاً بهذا الأصل الذي جاءوا من أجله {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } وقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } أي فوحدونِ ، ولقد كان آخر الأنبياء وخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أكمل الله به الدين وهو القائل ( مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلّا وضعت هذه اللبنة ، قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين )
ولقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم كافة للجن والإنس بشيراً ونذيراً وحباه الله عز وجل بشرعٍ كاملٍ ماضٍ إلى يوم الدين كما قال تعالى { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً } ولقد جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم بقرآن عظيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام وهو تفصيل لكل شيء وتبيان ، وآتاه الله الحكمة وهي سنته صلى الله عليه وسلم الشارحة والموضحة للقرآن وجعل الله هذين الأصلين العظيمين منهاجاً لنا ودستور فيهما الأمر بكل خير والنهي عن كل شر وأمرنا بإتباعهما وهما المنهاج الخالد لهذه الأمة الباقية والحق المطلق الذي يجب أن نعتقده بالقلب ونقره باللسان والقول ونصدقه بالعمل وإلا فلو اختل أحد هذه الشروط لا يكون الإنسان مسلماً . وهذا المنهاج هو المنظم والضابط لهذه الحياة وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :-
( تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا بعدي أبداً ، كتاب الله وسنة نبيه )
فأنتم أيها المجاهدون الموحدون ، قد اصطفاكم الله بشرعٍ واسع وسيف قاطع لكي تحملوا الحق مضموناً وتسيروا به على طريق ذات الشوكة كما سار نبيكم من قبلكم لا تهمكم الصعاب ولا تضيركم الذئاب ، تحت لواءٍ خالد ما زال يحمله الأماجد جيلاً بعد جيل كأنهم الطير الأبابيل ، فاعملوا ما أنتم عاملون فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ... وهو التاريخ فإما الدولة المانعة والشوكة الرادعة وإما هامش التاريخ وحفره التي لا ترحم المارقين ولا تبقى على المتخاذلين .
كتبنا هذا البيان انطلاقاً من حديث نبينا ( بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له ) وهو القائل ( أنا نبي المرحمة وأنا نبي الملحمة ) ولنا فيه خير أسوة وخير دليل وهو الذي أرسل من الله تعالى بقرآنٍ يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هادياً ونصيراً فاعتبروا يا أولي الألباب و الأبصار . فهذا ميراث نبيكم فيكم أيها الموحدون الكتاب الهادي إلى أقوم سبيل و السيف المانع الذي يقوّم من يخرج ويتبع غير السبيل ورحم الله القائل:

أنا خارجٌ عن كل من ضل الطريق و رائحٌ نحو الجهاد أرافق الشجعانِ
متقـدمٌ لا لـن أََََََََكِـلَّ ولن أمِلّ حتى تقـام شريعـةُ الرحمـنِ

والقرآن والسنة هما المصدران الوحيدان اللذان نعرف من خلالهما أحكام الإسلام وتعاليمه في العقائد والعبادات والتصورات والتشريعات والأخلاق والآداب وشتى مجالات الحياة على أن نفهمها فهم صحيحاً سليماً حتى نحسن التعامل معهما فيما تقدم .
والإسلام هو دين الله الذي أرسل به آخر كتبه وبعث به آخر رسله ليخرج الناس من ظلمات الكفر والتنديد إلى أنوار التوحيد .. والمصدر الأول للإسلام هو

* القرآن الكريم :-

وهو كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس الموجود بين دفتي مصحف المتعبد بتلاوته والمحفوظ من الله تعالى { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } وينبغي على كل مجاهد أن يقف مع كتاب الله موقف الإذعان والتسليم والانقياد لكل ما جاء فيه من العقائد أو العبادات أو الأخلاق أو المعاملات لأنها كلها تتضمن كل هدى وتحذر من كل غي وكما يقول ابن مسعود رضي الله عنه ( إذا سمعت " يا أيها الذين آمنوا" فأصغ لها سمعك فإنه إما خير تؤمر به أو شر تصرف عنه ) .
ولقد أنزل الله القرآن ليضبط بهدايته مسيرة البشرية ويهديها بنوره للتي هي أقوم ويخرج الناس من الظلمات إلى النور ليحكم به أحياءً يتلقون منه لكي ينفذوا أوامره فيزدانوا بضيائه وقد أفاض عليهم من نوره { قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ , يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ويقول تعالى {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً } فالقرآن الكريم نزل شفاء ورحمة للمؤمنين الصادقين في حمله وتطبيقه ونشره وتبليغه و "من" هنا ليست للتبعيض وإنما تعني " من جنس القرآن " وإلا فالقرآن كله شفاء ورحمة .
واعلم أيها المجاهد أن القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود الإنسان وستظل القضية الكبرى على توالي الأزمان هي قضية العقيدة ممثلة في قاعدتها الرئيسية _ الألوهية والعبودية _ وما بينهما من علاقة , وعليه فلا عجب أن نرى القرآن المكي يتصدى بقوة ويستنفذ الثلثين تقريباً من مجموع آياته خلال ثلاثة عشر عاماً لتقرير عقيدة التوحيد في حياة الناس ويقف عندها دون تجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها .
ونحن بإذن الله نسعى إلى بعث التوحيد الخالص في حياة الناس ولكن لماذا تقرير التوحيد اليوم في حياة الناس ؟
بداية ... فإن الناس اليوم في مجتمعاتنا أغلبهم مسلمون لا شك ويشهدوا أن لا إله إلا الله ولكنَّ المسألة ليست كلمات تقال باللسان فتعصم الدم والمال , نعم إن أمر الباطن والسرائر موكول إلى الله تعالى ونحن ما زلنا عند القيد الشرعي وهو ضابطنا في الحكم على الناس لكن ما نرى اليوم من مخالفةٍ بالظاهر تقع من كثيرٍ من المسلمين لمعاني لا إله إلا الله وقيودها عن جهلٍ في الغالب بهذه القيود الملازمة لهذه الكلمة وقلّما تجد من يعرف التوحيد الخالص في حياة الناس عامة والمسلمين خاصة , التوحيد بأقسامه الثلاثة ( الربوبية والألوهية والأسماء والصفات ) ومقتضيات هذه الأقسام الثلاثة .. أي نعرِّف الناس بهذا الرب العظيم والإله الحكيم تبارك اسمه وتعالى جدُّه ولا إله غيره .
إن التوحيد هو الفيصل بين المسلم والكافر وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل ) قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ( وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال , بل ولا معرفة معناها مع لفظها بل ولا الإقرار بذلك , بل ولا كونه لا يدعو إلى الله وحده لا شريك له , بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه . فيا لها من مسألةٍ ما أعظمها وأجلَّها ! ويا له من بيان ما أوضحه ! وحجة ما أقطعها للمنازع ) اهـ
نقول وبالله التوفيق وبعدما ما تقدم من شرح أنه يجب قبل كل شيء تقرير هذا التوحيد الخالص في عقول الناس وبالذات المسلمين , فإنك إن فعلت ذلك كان التالي ( بماذا يأمرنا هذا الإله العظيم الخالق الذي هذا فعله وهذه صفاته ؟ وعمَّ ينهانا ؟ ) فتكون الإجابة عبارة عن خطوات عملية تتبع الجهد الدعوي نفسه من خلال تربية النفس التي تملكها حب الله وخشيته , تربيتها بالتعاليم المنزلة منه سبحانه فيستقيم الإنسان وهو يشعر برقابة الله تعالى في كل وقت وحين } إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً {.
يقول سيد قطب رحمه الله ( ومتى استقرت عقيدة " لا إله إلا الله " في أعماقها الغائرة البعيدة _ أي أعماق النفس _ استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه " لا إله إلا الله " واستسلمت هذه النفوس ابتداءً لهذا النظام الوحيد الذي ارتضته وهذا هو مقتضى الإيمان .. فقد تلقت النفوس في ما بعد تشريعات الإسلام بالرضا والقبول لا تعترض على شيء منه ولا تتلكأ بتنفيذه مجرد صدوره إليها وتلقيها له , وهكذا أُبطلت الخمر والميسر والربا والعاداتُ الجاهلية كلُها بآياتٍ من القرآن أو كلماتٍ من الرسول صلى الله عليه وسلم بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وسلطانها وقوتها وإعلامها فلا تستطيع ضبط المخالفات في مجتمعٍ يعُجُّ بالمنكرات والمنهيات ) اهـ . بتصرف
اعلموا هداكم الله ورعاكم أن العقيدة هي الأساس المكين الذي ترتكز عليه فروع هذا الدين وهي بمثابة الجذر الثابت من الشجرة الباسقة الأغصان ومن العبث محاولة إشادة بناء ضخم بلا أساس كما أن الشجرة لا تكون باسقة الأغصان والفروع بلا جذعٍ ثابتٍ صلبٍ متين , فلا بد حتى نجني الثمار المرجوة أن نتتبع المنهاج الرباني في بناء هذا الدين للنفس البشرية فنرسخ العقيدة في الأعماق أولاً ثم نطالب النفس بعد ذلك بأوامر الشريعة كلها . يقول الشيخ عبد الله عزَّام في كتابه " العقيدة وأثرها في بناء الجيل " يقول ( وعلى هذا فإن كل الانحرافات التي نعانيها في سلوكنا _ أفراداً وجماعات _ راجعة بكليتها إلى الانحراف والتصور العقدي , فالناس في هذه الأيام بحاجة إلى بناء العقيدة من جديد وإلى تصحيح التصور الإعتقادي فلا بد من إفراد الله سبحانه بالألوهية ولا بد من أن تحيا القلوب وهي تستشعر هيبته وجلاله ) اهـ.
واعلم أخا التوحيد أن القرآن الكريم وهو يخاطب النفس البشرية ويمضي معها في بناء العقيدة الطيب العميق ويستنفذ الثلثين تقريباً من مجموع آياته في تقرير هذه المبادئ الجليلة والمرتكزات الأصيلة فإنه في الوقت نفسه كتاب الله المسطور بأخلاقه وقوانينه وتشريعاته وموازينه والذي ينبغي أن يقرأ من المجاهدين بوعي وتدبر وفهم عميقٍ سليم حتى نهتدي بهداه ونكون على بينة مما يريده الله منا فيه وصدق الله العظيم إذ يقول {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } ويجدر بنا في هذا المقام أن ننقل من الظلال كلام لسيد قطب رحمه الله عن القرآن الكريم حتى ندرك النور العظيم الذي أنزل إلينا ولكنَّ كثيراً من الناس لا يعلمون وعن القرآن غافلون وللتذكرة مَالين .. يقول رحمه الله ( إن القرآن هو كتاب هذه الأمة الحي ورائدها الناصح ومدرستها التي تلقت فيها دروس حياتها . واعلم أن الله سبحانه كان يربي الجماعة المسلمة الأولى التي قسم لها إقامة منهجه الرباني في الأرض , وأعد لها هذا الدور العظيم بالقرآن الكريم , ولقد أراد الله تعالى بهذا القرآن أ يكون هو الرائد الحي . الباقي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لقيادة أجيال الأمة , وتربيتها وإعداده للقيادة الراشدة الذي وعدها به , كلما اهتدت بهديه واستمسكت بعهدها معه واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن , واستعزت به واستعلت على كل المناهج الوضعية الجاهلية .
إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى .. ولكنه دستور شامل .. دستور للتربية , كما أنه دستور للحياة العملية ومن ثم فقد تضمن عرض تجارب البشرية بصورة موحية على الجماعة المسلمة التي جاء لينشئها ويربيها وتضمن بصورة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية في الأرض من لدن آدم عليه السلام وقدمها زاداً للأمة المسلمة في جميع أجيالها تجاربها في الأنفس وفي واقع الحياة كي تكون الأمة المسلمة على بينة من طريقها وهي تزود لها بذلك الزاد الضخم والرصيد المتنوع .
ولقد جاء القصص القرآني بوفرة وتنوع وإيحاء وأكثره قصص بني إسرائيل لأسباب عدة أبرزها أن الله سبحانه علم أن أجيالاً من هذه الأمة المسلمة ستمر بأدوار كالتي مر بها بنو إسرائيل وتقف من دينها وعقيدتها مواقف شبيهة بمواقف بني إسرائيل , فعرض عليها مزالق الطريق مصورة في تاريخ بني إسرائيل لتكون لها عظة وعبرة ولترى صورتها في هذه المرآة المرفوعة لها بيد الله سبحانه قبل الوقوع في تلك المزالق أو اللجاج فيها على مداد التاريخ .
إن هذا القرآن ينبغي أن يُقرأ وأن يُتلقى من أجيال الأمة المسلمة بوعي . وينبغي أن يُتدبر على أنه توجيهات حية , تتنزل اليوم لتعالج مسائل اليوم ولتنير الطريق إلى المستقبل . لا على أنه مجرد كلام جميل يرتل , أو على أنه سجل لحقيقة مضت ولن تعود ! ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدِّنا , كما كانت الجماعة المسلمة الأولى تتلقاه لتلتمس عنده التوجيه الحاضر في شؤون حياتها اليومية .. وحين نقرأ القرآن بهذا الوعي سنجد عنده ما نريد , وسنجد فيه عجائب لا تخطر على البال الساهي , سنجد كلماته وعبادته وتوجيهاته حية تنبض وتتحرك وتشير إلى معالم الطريق , وتقول لنا : هذا فافعلوه وهذا لا تفعلوه . وتقول لنا : هذا عدو لكم وهذا صديق . وتقول لنا : كذا فاتخذوا من الحيطة وكذا فاتخذوا من العدة . وتقول لنا حديثاً طويلاً مفصلاً دقيقاً في كل ما يعرض لنا من الشؤون .. وسنجد عندئذٍ في القرآن متاعاً وحياة , وسندرك معنى قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ } فهي دعوة للحياة الدائمة المتجددة . لا لحياة تاريخية محدودة في صفحة عابرة من صفحات التاريخ ) اهـ بتصرف يسير .

* تفسير القرآن الكريم/

إن التفسير في اللغة هو البيان والإيضاح وفي الاصطلاح هو بيان معاني القرآن الكريم وأحكامه وألفاظه .. وعلى هذا الأساس فإن التفسير يشمل اللغة والبيان والبلاغة والإعجاز والإعراب وعلوم القراءات والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والأحكام وغيرها من العلوم الملازمة لتفسير القرآن .
وبعيداً عن نشأة التفسير وتطوره والدخول فيما يشمل من موضوعات فإننا سنوضح مسألة هامة هنا حتى يكون الأخ المجاهد منها على بينة ولأن الموضوعات الأخرى المتقدمة وعلى أهميتها متوفرة والحمد الله يُرجع إليها في مصادرها عند الحاجة . وما سنوضحه هنا هو طرق تفسير القرآن كما بينها ابن تيمية رحمه الله ولكننا قبل ذلك سنذكر أقسام التفسير حيث ينقسم إلى قسمين :-
1- التفسير بالمأثور .. أي المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام , ويسمى التفسير بالرواية لأنه يعتمد على تفسير القرآن بالقرآن وبما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين وأئمة المفسرين في القرون الأولى المفضلة .
2- التفسير بالرأي .. وهو التفسير الذي يُستنبط بالرأي والاجتهاد وهو على ضربين من حيث قبوله أو رده :-
أ- المقبول .. وهو الذي لا يتعارض مع المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين فأي اجتهاد أو استنباط أو قول أو عمل عندنا يوافق المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم وإجماع السلف رحمهم الله نأخذ به وإلا فهو من المردود عندنا وهو الضرب الثاني ...
ب- غير المقبول .. وهو الذي يتعارض مع التفسير بالمأثور الثابت أو إجماع الأئمة أو خالف أصول العقيدة وقواعد الشريعة أو كان صاحبه غير عالم باللغة وبالنصوص الشرعية وأصول التفسير وكان مبتدعاً ومتعصباً لرأيه . وليعلم كل من كان كذلك أن الخوض في كتاب الله بغير علمٍ يودي بصاحبه إلى النار والمهالك . عن ابن عباسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من قال في القرآن بغير علمٍ فليتبوأ مقعده في النار ) يقول الدكتور عبد اللطيف آل موسى ( القرآن الكريم يجب أن يفسر بما هو معلوم من منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم ولا يجوز تفسيره بالرأي المجرد فإنه من القول على الله بغير علم وتأويله بتأويلات الباطنية وأمثالها كفر )
واعلم أخا التوحيد أن هناك طرق كثيرة يفسر بها القرآن كما يقول ابن تيمية رحمه الله وأصح هذه الطرق تفسير القرآن بالقرآن .. ويقول ( فإن أصح التفاسير أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر , وما اختصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر , فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له , بل قال الإمام الشافعي رحمه الله " كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن " قال تعالى {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وقال {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً } ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ( ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ) يعني السُنَّة , والسنة تنزل بالوحي كما ينزل القرآن إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن , وقد استدل الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة . والغرض .. أنك تطلب تفسير القرآن منه , فإن لم تجده فمن السنة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن : بم تحكم ؟ قال بكتاب الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال بسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال أجتهد رأيي . فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ) انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله .

* المتشابه من القرآن /

إن المتشابه من القرآن سمي متشابهاً لاشتباه معناه على السامع وليس المتشابه الذي لا يفهم معناه حيث لا يوجد في القرآن شيء لا يفهم معناه لأن اشتمال القرآن على شيء غير مفهوم يخرجه عن كونه بياناً للناس وهو خلاف قوله تعالى {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ } وأما حروف المعجم في أوائل السور فإن لها معنى لأنها أسماء للسور ومعرفة لها وتحمل كذلك معنى الإعجاز فالكثير من المفسرين يرجح أنها إشارة إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف وهي في متناول المخاطبين به من العرب ولكنهم مع هذا يتسمرون أمام إعجازه ولا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله وهو يتحداهم مرة تلو مرة أن يأتوا بمثله أو بعشر سورٍ مثله أو بسورةٍ من مثله فلا يملكون لهذا التحدي جواباً ...
ونحن والحمد لله نؤمن بالمتشابه من غير تأويلٍ ولا تعطيل ولا يسعنا في ذلك إلا ما وسع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الراسخين في العلم الذين يقولون آمنا كل من عند ربنا .
وما كان من عند الله فإن قلوبنا تطمئن إلى أنه الحق والصدق . ونؤمن كذلك أن من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم وفي ما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية القاصرة لعلمه . ونقول :- الله أعلم فيما اشتبه علينا بعلمه لأن هذا العدل وفيه النجاة . وندعو الله تعالى ألا يزغ قلوبنا بعد هذا الهدى فإنما القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء . فعن عائشة رضي الله عنها قالت ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " قلت : يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء . فقال " ليس من قلبٍ إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن . إذا شاء أن يقيمه أقامه . وإن شاء أن يزيغه أزاغه )
ونختم الحديث إن شاء الله عن القرآن بما جاء في العقيدة الطحاوية حول اعتقاد أهل السنة والجماعة في القرآن .. ويقول أبو جعفر الطحاوي رحمه الله ( القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولاً وأنزله على رسوله وحياً وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً , وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال " سأصليه سقر " فلما أوعد الله بسقر لمن قال " إن هذا إلا قول البشر " علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر ) وقال رحمه الله ( ولا نجادل في القرآن ونشهد أنه كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين فعلمه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وهو كلام الله لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين ) فقرة 18 مادة 56
والذين قالوا بخلق القرآن هم الجهمية الضُلَّال أعاذنا الله من الضلال .

* * *
* السُنَّة المطهرة /

وهي المصدر الثاني للإسلام والمنهج النبوي المفصَّل في تعليم الإسلام وتطبيقه وتربية الأمة عليه والذي يتجسد في قوله تعالى {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } ويتمثل ذلك في أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته الخُلُقية والخَلقية صلى الله عليه وسلم فالقرآن الكريم هو الدستور الذي يحوي الأصول والقواعد الأساسية للإسلام في عقائده وعباداته وآدابه ومعاملاته . والسنة هي البيان النظري والعملي والتطبيقي للقرآن في هذا كله .
ولذلك يجب اتباعها والعمل بها وبما جاءت به من أحكام وتوجيهات ، وطاعة الرسول فيها واجبة كما يطاع فيما بلغه من قرآن . قال تعالى { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى . قيل ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ) . واعلم هداك الله أن من أتى بالطاعة من غير حبٍ لله تعالى فإنه منافق مبغض ومن زعم أنه يحب الله تعالى من غير طاعة ولا انقياد لظاهر الشريعة فهو زنديق كذاب . يقول تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ } قال ابن كثير : ( هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله ) وقال ابن تيمية ( وكل من يدعي أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب ليست محبته لله وحده ، بل إن كان يحبه فهي محبة شرك ، فإنما يتبع ما يهواه ، كدعوى اليهود والنصارى محبة الله ، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب فكانوا يتبعون الرسول ، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين ) وقال ابن القيم ( وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها ، فهي إنما تتحقق بإتباع أمره واجتناب نهيه فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة ولهذا جعل اتباع رسوله علماً عليها وشاهداً لمن ادّعاها فقال تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ } فجعل اتباع رسوله مشروطاً بمحبتهم لله وشرطاً لمحبة الله لهم ) ثم قال رحمه الله ( ودل على أنَّ متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي حب الله ورسوله وطاعة أمره ولا يكفي في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما ، فلا يكون عنده شيء أحب إليه من الله ورسوله ، ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله لصاحبه ألبته ولا يهديه الله ، قال تعالى { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله أو خوف أحد منهم على خوف الله أو رجاء أحد منهم والتوكل عليه ومعاملته على رجاء الله والتوكل عليه ومعاملته ، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وإن قاله بلسانه فهو كذب منه وإخبار بخلاف ما هو عليه وكذلك من قدم حكم أحد على حكم الله ورسوله فذلك المقدم عنده أحب إليه من الله ورسوله ) اهـ .
واعلم رعاك الله أن النزاع في أي شيء مرده إلى الكتاب والسنة وليس لأي جهة غيرهما ، ألم تسمع قول الله مولاك { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } .
قال ابن كثير في تفسيره ( أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم " إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر" فدل ذلك على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر ) وقال الشيخ سليمان بن عبد الله النجدي ( فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول في موارد النزاع فقد كذب في شهادته )
ولقد أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور والأحوال فقال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } قال الإمام ابن القيم ( أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يُحَكِّمُوا الرسول في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل ولم يكتفِ في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه ولم يكتفِ منهم أيضاً بذلك حتى يسلموا تسليماً وينقادوا انقياداً ) ويقول ابن تيمية ( معلوم بالاضطرار من دين المسلمين وبإتفاق جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر )
واعلم أخا التوحيد أن الحاكم إذا حكم بغير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم جاحداً لأحقية حكم الله ورسوله أو غير جاحد بأن حكم الله ورسوله حقاً لكنه اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه وأتم وأشمل إما مطلقاً وإما بالنسبة لما استجد من الحوادث .
أو لم يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله ولكنه اعتقد أنه مثله ... أو لم يعتقد أن الحكم الوضعي مماثلاً لحكم الله ورسوله فضلاً عن أن يعتقد كونه أحسن منه ولكنه اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله ...
فاعلم أخانا المجاهد أن هذا الحاكم كافر كفراً أكبر مخرجاً من الملة ، ويجب قتاله وخلعه ، وقتاله واجب على كل مسلم مكلف قادر باليد واللسان والمال حتى يزال ويقام بدلاً منه رجل من أهل الإيمان وقتاله من الجهاد في سبيل الله فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال ( دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرةٍ علينا وأن لا ننازع الأمر أهله ، قال : إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان )
قال النووي نقلاً عن القاضي عياض ( أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل . قال : وكذلك لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها ) يقول صديق خان في الروضة الندية ( وبالجملة فإذا كفر الخليفة بإنكار ضروري من ضروريات الدين حل قتاله بل وجب وإلا لا وذلك لأنه حينئذٍ فاتت مصلحة نصبه بل يخاف مفسدته على القوم فكان من الجهاد في سبيل الله ) قال الشيخ عبد الله عزام ( لا بد من إزالة العوائق التي تعترض سبيل هذا الدين القويم ولا بد من تحطيم العقبات التي تحول دون وصول النور إلى الناس ، وهؤلاء الطواغيت الذي يقول فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له ) وإزالة أئمة الكفر وقادة الفتن حقٌ طبيعي وحكم شرعي رباني وضرورة منطقية عقلية ، ولقد سبب ترك هذا الحكم الشرعي _ اغتيال قادة الكفر _ الظلم الكبير والشر المستطير للأمة الإسلامية التي عانت الويلات ودفعت الضرائب الفادحة من أعراضها ودمائها وأموالها لا يعلمها إلا الله ) فوجوب جهاد هؤلاء مأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة ، ويخص من الطواغيت من كان له منهم أذى للمسلمين فيجب البداءة به قبل غيره وإن كانوا جميعاً وجب قتالهم .. قال تعالى{ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } قال القرطبي رحمه الله ( لعلهم ينتهون أي عن كفرهم وباطلهم وأذيتهم للمسلمين وذلك يقتضي أن يكون الغرض من قتالهم دفع ضررهم لينتهوا عن مقاتلتنا ويدخلوا في ديننا ) وقد قال الله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه } والفتنة هي الشرك ، ومن أعظم صور الشرك في زماننا أن ينصب بعض الناس أنفسهم آلهة من دون الله يشرعون للناس أحكاماً تعارض أحكام الكتاب والسنة . يقول ابن تيمية رحمه الله ( فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله ، وجب القتال حتى يكون الدين كله لله ) . يقول الشيخ علي بن حاج ( وعندنا في شرع الله أن الحاكم إذا خالف قواطع الشريعة وآمن ببعض وكفر ببعض وجب الخروج عليه وقتاله ولا يسمى هذا العمل حرباً أهلية كما يُشاع لأن الحرب الأهلية بين فصائل الوطن الواحد أما هنا فالأمة كلها ضد السلطة فتنبه )
واعلم هداك الله أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تكفل الله بحفظها لأن حفظ القرآن من الله تعالى يتضمن كذلك كفالته بحفظ السنة في جملتها لأنها بيان للقرآن وشرح نظري وعملي له وحفظ المبيَِّن يستلزم حفظ البيان كما بين الشاطبي ذلك في الموافقات رحمه الله .. يقول تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ويقول تعالى في بيانها وشرحها للقرآن الكريم { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }
وعلى المجاهد أن يحذر من الدَّاعين إلى الاستغناء بالقرآن عن السنة لأن الذي حرّمه رسول الله تماماَ كالذي حرّمه الله . واعلم أن أهل البدع يبغضون أهل الحديث لأن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسنته قاطعة في أحكامها لا تحتمل التأويل بخلاف القرآن الذي منه المحكم والمتشابه الذي ربما صرفه الذين في قلوبهم زيغ ومرض عن وجهه الصحيح إلى وجوه أخرى باطلة . وكلما رأيت أخا التوحيد شخصاً يبغض أهل الحديث فاعلم أنه مبتدع ضال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ، ألا يوشك رجل ينثني شبعاناً على أريكته يقول : عليكم بالقرآن ، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرموه ) وفي رواية أخرى بلفظ :- (ألا عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكيء على أريكته فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما وجدنا فيه حراماً حرَّمناه ، وإن ما حرَّم رسول الله كما حرم الله ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه )
واعلم كذلك أن الأحاديث الصحيحة لا يجوز ردَّها بسبب غباء بعض الناس في فهمها ، كما أنه لا يجوز الحديث في مجال الأحكام وبيان الحلال والحرام وتفصيل أمر الشرع ونهيه في العبادات والمعاملات فالاحتجاج بالضعيف فيها غير جائز باتفاق جميع الفقهاء من جميع المذاهب .
ونحن أهل السنة والجماعة نؤمن بأن كل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان لأمور الدين كله حق سواء ما ورد بالتواتر أو ما ورد بطريق الآحاد ، واعلم أخانا أن هذا الاعتقاد هو اعتقاد أهل الحق ومذهبهم وكل من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله قد فضحه والحمد لله في الأولى والآخرة .
وينبغي عليك أيها المجاهد أن تكون على إطلاع كبير ومعرفة دقيقة بالسنة المطهرة والسيرة العطرة ، واحرص أن تسابق الناس في أخذ ميراث نبيك صلى الله عليه وسلم وإقامته في نفسك وفي الناس فإنك إن فعلت فقد أخذت بحظٍ عظيمٍ وافر .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :- ( العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يوثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا علماً فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر ) وحتى تكون من الطائفة المنصورة التي يمتد تاريخها من يومنا هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي الطائفة التي تدعوا الناس إلى التوحيد والسنة وتكشف للناس الشرك والبدعة وتقاتل في سبيل الله كل كافرٍ وطاغوت حتى تقوم الساعة وهم على ذلك .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة . قال : فينزل عيسى بن مريم عليه السلام ، فيقول إمامهم : تعال صل لنا ، فيقول : لا ، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة ) وعن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :- (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتي الساعة وهم على ذلك . وهؤلاء في كل وقتٍ غرباء) وفي الحديث عن مالك بن مخامر عن معاذ بن جبل قال :- (وهم بالشام)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً فطوبى للغرباء ، الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي ) وفي رواية ( الفرَّارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى عليه السلام) وفي رواية أخرى ( ناس صالحون قليل في ناس سوءٍ كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ) .
فالزم أخانا درب صاحب هذه السنة المطهرة واشهد أنه رسول الله بتصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر ولا تتعبد الله إلا بما شرع ، لا بالأهواء والبدع .. وانظر إلى قول الله الخالد { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وابشر يا أخا التوحيد أبشر فإنك على الحق القويم والصراط المستقيم ودينك عظيم و إلهك كريم .. فاستشعر النعمة العظيمة وفم وغادر مضجعك .. فإن الأمة ألمَّت بها الغُمَّة .. فاسمع منا المقال وانظر لسوء الحال ...

واجعل لقلبك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن

* الاجتهاد الصحيح /

إننا نعتبر هذا الركن الأساسي من منهاجنا ومكمل له لأنه يلزم الرجوع إليه إذ لم نجد التفسير والحكم في الكتاب أو السنة .. والاجتهاد ثابتٌ بنص الحديث وهذا صريح في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذٍ على الاجتهاد حين بعثه والياً إلى اليمن . وما وجد من المسلمين من نازع في الاجتهاد . والاجتهاد هو استنباط الحكم من النص .
واعلم أن نصوص الشريعة الإسلامية تستوجب على المسلمين الاجتهاد ، فأنت خبير أن النصوص الشرعية لم تأت مفصلة وإنما جاءت مجملة تنطبق على جميع وقائع الحياة ويحتاج فهمها واستنباط حكم الله فيها إلى بذل الجهد لأخذ الحكم الشرعي .
واعلم كذلك أن الاجتهاد فرض كفائي على المسلمين إذا أقامه البعض سقط عن الباقين وإلا فإن لم يقم به أحد أثم المسلمون جميعاً في العصر الذي يخلو من مجتهد ، إذ لا يجوز أن يخلو عصر من مجتهد مطلقاً لأن التفقه في الدين والاجتهاد فيه فرض على الكفاية ، فإذا اتفق الجميع على تركه أثموا .. فالمجتهد الذي يستند إليه في معرفة الأحكام إذا عُدم يفضي ذلك إلى تعطيل الشريعة واندراس الأحكام وهذا لا يجوز ....
واعلم هداك الله أننا إذ نأخذ بالاجتهاد الصحيح فإننا نقصد به ذلك الاجتهاد الصحيح الصادر عن العلماء الدعاة إلى الحق والهدى العاملين بعلمهم الذين لا يكتمون الناس شيئاً ؟ وهم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يحمل هذا العلم من خَلَقٍ عُدولُه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين )
ولقد كان العلماء على الدوام هم حجة الله على هذه الأمة ، كما شأن الإمام أحمد رحمه الله في فتنة خلق القرآن إذ وقف لها وقفة أسدٍ هصور وقد كادت تودي بالأمة وتخرجها إلى الشرك والهلكة .. وكما كان موقف علماء المالكية من أتباع سحنون في فتنة الباطنية العبيدية حين قاتلوهم وكشفوا للناس كفرهم وزندقتهم .. وكما كان شأن الإمام ابن تيمية في بيانه للسنة وكشفه لأهل البدع من فلاسفة وصوفية وجهمية وغيرهم ثم ما كان من جهاده للتتار ثم لمَّا كان من التباس أمر قتالهم على الناس بين أن قتالهم هو قتال من امتنع عن شرائع الإسلام فكشف الله الحق وأظهره أبلجاً ساطعاً على يد هذا الإمام الصادق وهُزم التتار في معركة شقحب ( مرج الصفر ) .. ثم ما كان من شأن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ناصر السنة وقامع البدعة حين دعا إلى التوحيد والسنة فعودي ورُمي عن قوسٍ واحدة من أهل الضلال والبدع ...
ونحن أخا التوحيد نسأل الله مولانا أن نكون من الذين يحمون هذا العلم ويقيمونه في الناس بعد أن ملكتهم الشهوات والأهواء في هذا الزمان ، ونسأله كذلك أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا ويزدنا علماً وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً وبرزقنا اجتنابه ... وخير الأمرين من جمع بين الفضلين وهذه هي صفة الطائفة المنصورة .. فهي طائفة جهادٍ واجتهاد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن )

* اجتهاد الصحابة /

إعلم هداك الله أننا نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبنا لرسول الله وحبه لهم ولا نُفْرِط في حب أحد منهم كما فعلت الرافضة بعلي رضي الله عنه ولا نتبرأ من أحدٍ منهم فقد كانوا أكمل الناس إيماناً وإحساناً وأعظمهم طاعةً وجهاداً ونبغض من يبغضهم لأن ذلك علامة النفاق والخذلان ونبغض من يذكرهم بغير الخير ولا نذكرهم إلَّا بخير لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أحبهم وأوصى بحبهم فحبهم علامة صحة الدين وعلامة الإيمان والإحسان وبغضهم علامة الكفر والنفاق والخذلان والطغيان ونعوذ بالله أن نضل بعد الهدى .
وعليه أخا التوحيد فإن كل ما صح عن الصحابة من التفسير تلقيناه وأخذنا به لأنهم عدول في تبليغ الدين ... جاء في البرهان للزركشي ما نصه (( إذا صح عن الصحابة تفسير معين تلقيناه بالقبول لما امتازوا به من مشاهدة أسباب التنزيل وقرائن الأحوال ، فرأوا وسمعوا ما لم يرَ غيرهم ولم يسمع عن عراقة في اللغة بالسليقة والنشأة وصفاء في الفهم وسلامة في الفطرة وقوة في اليقين ، ولا سيما إذا أجمعوا على هذا التفسير فإن إجماعهم يدل على أن هذا الأمر أصلاً من السنة وإن لم يصرحوا به ، ويكفي في الإجماع هنا أن ينتشر الرأي بينهم ويشتهر عن جماعة منهم ولا يُعرف منهم مخالف ، فإذا اختلفوا فقد أتاحوا لنا أن نتخير من بين آرائهم ما نراه أقرب إلى السداد ، أو نضيف إلى أفهامهم فهماً جديداً ، لأن اختلافهم قد أعطانا دليلاً على أنهم فسروا برأيهم واجتهادهم ، وهو رأي بشر غير معصوم على كل حال ، ويرى بعض العلماء وجوب الأخذ بتفسير الصحابي _ ولو واحداً _ لأنه من باب الرواية لا الرأي ))
أظن الكلام واضحاً فيما تقدم من اجتهاد الصحابة وتفسيرهم وهذا الإجتهاد يلزمنا الرجوع إليه والأخذ به وفي هذا الإطار يقول ابن تيمية رحمه الله :- (( إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الراشدين (( الخلفاء الراشدين المهديين )) وعبد الله بن مسعود الذي قال : والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلّا وأنا أعلم أين نزلت وفيمن نزلت . وقال : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن . ومنهم حبر الأمة عبد الله بن عباس ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )) وقال ابن مسعود : نعم الترجمان للقرآن ابن عباس )) انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله .
وعن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي لله عنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون ، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا . قال ( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي . وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعةٍ ضلالة ) والبدعة في الشرع كل ما تعبد لله سبحانه بغير ما شرع عقيدة أو قولاً أو فعلاً فهو مبتدع قال الشاطبي رحمه الله تعليقاً (( لأنهم رضي الله عنهم فيما سنوه إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلام نفسها وإما متبعون لما فهموه عن سنته صلى الله عليه وسلم في الجملة والتفصيل على وجه خفي على غيرهم مثله لا زائداً عليه ))
وكان مالك رحمه الله يقول (( لا يصلح آخر هذه الأمة إلّا بما صلح به أولها )) ولقد صلح أولها بالإتباع لا بالإبتداع وبلزوم الجماعة لا بالشذوذ عنها . والجماعة هنا هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان والمتمسكون بآثارهم إلى يوم القيامة وهم الفرقة الناجية وكل من التزم بمنهجهم فهو من الجماعة .

* اجتهاد الفقهاء ...
1- اجتهاد التابعين ...
اعلم رعاك الله أن العلماء السابقين من الصحابة والتابعين أهل الصلاح والأثر وأتباع السنن وأهل الفقه والنظر لا نذكرهم إلا بالجميل والثناء ومن ذكرهم بسوء فهو على سبيل الضلالة فإن محبتهم واجبة ولحومهم مسمومة لمن ذكرهم بسوء والتابعين رحمهم الله هم أعلم الناس بالتفسير بعد الصحابة وهم من خير الناس بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح ( خير القرون قرني ثم الذين يليه ثم الذي يليه )
وهم قد وقعوا في هذه القرون الثلاثة المفضلة وتلقوا تعليمهم عن الصحابة رضي الله عنهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع الكثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء والحسن البصري ومسروق وابن المسيب وابن العالية والضحاك بن مزاحم وغيرهم ) ذلك لأن المسلمين في فجر الإسلام من التابعين رحمهم الله كانوا لا يحتاجون إلى قواعد معينة لفهم النصوص الشرعية لا من الناحية اللغوية ولا من الناحية الشرعية نظراً لقرب عهدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وصرف عنايتهم في الحياة إلى الدين ، ونظراً لسلامة سليقتهم باللغة العربية وبُعدهم عن فساد اللسان بالإضافة إلى دقتهم في متابعة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .

2- اجتهاد الرأي مع مشاورة أهل العلم والصلاح ...
وهذا مقتضى فهمنا لشرعنا وفقهنا لديننا فقد كتب عمر رضي الله عنه إلى (شُريح) لما ولاه الكوفة :- " انظر ما تبين لك من كتاب الله ، فلا تسأل عنه أحداً ، وما لم يتبين لك ما تبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يتبين لك فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح " رحم الله عمر بن الخطاب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاروق لأن الله فرق بإسلامه بين الحق والباطل وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( وما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر ) ... فقد جاء قوياً في الحق رضي الله عنه وكان إسلامه فتحاً على المسلمين وفرجاً لهم من الضيق وهو من كبار فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ... ولقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه على الاجتهاد حينما بعثه والياً إلى اليمن وهذا صريح في الحديث الذي جوده ابن كثير وقواه ابن القيم ودافع عنه في " أعلام الموقعين " والذهبي في " مختصر العلل المتناهية " وهو موجود في المساند والسنن بإسناد جيد .. فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً قال ( بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيي ولا آلو .فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال ( الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ) .
قال الدكتور عمر عبد الرحمن " فالتشريع أولاً يكون من القرآن ثم من السنة ثم بعد ذلك يأتي الإجتهاد ، وحديث معاذ بن جبل واضح وصريح في ذلك ... ثم ذكر الحديث فك الله أسره "
وقبل أن نتكلم في هذه المسألة نؤكد على النقطة الأهم وهو أنه لا يصح أن يخلو عصر من مجتهد استوفى شروط الاجتهاد المطلق حتى يصان الدين ويحمى من افتراء المفترين ويُبين جوهره نقياً صافياً في كل عصرٍ وحين لأن إغلاق باب الاجتهاد هو إغلاق باب فتحه الله للعقول وفي إغلاقه تعطيل للشريعة واندراس للأحكام وهذا لا يجوز ...
والاجتهاد معناه كما أسلفنا بذل الفقيه وسعه في استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية على أن الاجتهاد لا يقوم به إلا الفقيه الذي تتوفر فيه شروط المجتهد من علمٍ باللغة العربية وعلمٍ بالقرآن ناسخه ومنسوخه ، وعلمٍ بالسنة ، ومعرفة مواضع الاجماع ومواضع الخلاف ، ومعرفة القياس ووجوهه ، ومعرفة مقاصد الأحكام ، وصحة الفهم وحسن التقدير ، وصحة النية وسلامة الاعتقاد . على أن أهم الشروط التي ينبغي توفرها في المجتهد شرطان هما :-
1- معرفة الأدلة السمعية التي تنتزع منها القواعد والأحكام .
2- معرفة وجوه دلالة اللفظة المعتد بها في لسان العرب واستعمال البلغاء .
وبمعنى آخر أن درجة الاجتهاد المقصود لا تحصل إلا لمن اتصف بوصفين ...
الأول .. فهم مقاصد الشريعة لفهم الأدلة السمعية .
الثاني .. فهم اللغة العربية ومدلولات ألفاظها وجُملها وأساليبها .
وعليه فليس وجود المجتهد بالأمر العسير ، بل هو ممكن ومتوفر إذا صحَّت الهمم وخلصت النوايا وقوي العزم .. واعلموا هداكم الله أن كل أحد عندنا يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم وكل قول عندنا أو اجتهاد يوافق الكتاب والسنة قبلناه وإلّا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع .
ونحن هنا وفي الإطار سنوضح مسألة هامة ينبغي أن تكون منها أيها المجاهد على بينة ألا وهي الإفتاء . فالافتاء أخص من الاجتهاد لأن الافتاء لا يكون إلا إذا كانت واقعة وقعت ويتعرف الفقيه حكمها . والفتوى السليمة التي تكون من مجتهد ، تقتضِ مع شروط الاجتهاد التي ذكرناها شروطاً أخرى وهي معرفة واقعة الاستفتاء ودراسة نفسية المستفتي والجماعة التي يعيش فيها ليعرف مدى أثر الفتوى سلباً وإيجاباً حتى لا يُتخذ دين الله هزواً ولا لعباً .
ولذلك شدد العلماء في شروط المفتي ولقد روي عن الإمام أنه قال :- ( لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال ...
1- أن تكون له نية فإن لم تكن لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور .
2- أن يكون على علمٍ وحلمٍ ووقارٍ وسكينة .
3- أن يكون قوياً على ما هو فيه وعلى معرفته .
4- الكفاية وإلا مضغه الناس .
5- معرفة الناس ) اهـ . من كلام الإمام أحمد رحمه الله .
وإذا كان المفتي له قدر من الاجتهاد يستطيع أن يميز بين الأدلة ويتخير من المذاهب في فتواه فعليه أن يقيد نفسه في التخير بثلاثة أمور ...
الأول .. ألا يختار قولاً متهافتاً في دليله بحيث لو اطّلع صاحبه على أدلة غيره لعدل عنه .
الثاني .. أن يكون في فتواه صلاح الناس ويسير معهم في طريق وسط دون شدة وإفراط ولا تفريط وانحلال .
الثالث .. أن يكون حسن القصد في اختيار ما يختار فلا يكون اختياره لإرضاء حاكم أو لهوى الناس ويتجاهل غضب الله ورضاه .. فلا يكون كأولئك المفتين الذين يتعرفون هوى الحاكم قبل أن يفتوا فهم يفتون لأجل الحاكم لا لأجل الحق .. وأولئك قوم بور ..
ولقد رأينا بعض المفتين يتتبع مواضع التساهل بالنسبة للحكام ولنفسه ويختار لغيره آراء مذهبه الذي يفتي به ولو بلغ حد الشدة .
واعلم أخانا أن العلماء قد أجمعوا على وجوب التزام المفتي وأخذه بما يفتي به فإذا كان يترخص لنفسه في أمور ولا يبيحها للناس فإن ذلك يفقده العدالة والأهلية للفُتيا .
ويجب على المفتي كذلك أن يتأنى ولا يتسرع وأن يتفكر ويتدبر في الأمر قبل الفتوى وفي نتائج الفتوى وفي حال المستفتي . ولا عيب عليه في هذا التأني ما لم يكن متثبتاً من الحق أو لا يحتاج إلى التأجيل والتسويف .
واعلم أخا التوحيد هداك الله أنه يلزم المفتي أن يكون عالماً بالواقع مدركاً له وإلّا كان الخطأ لصيق فتياه . قال ابن القيم رحمه الله : ( ولا يتمكن المفتي ولا حاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم :-
أحدهما .. فهم الواقع فيه ، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات ، حتى يحيط به علماً .
والنوع الثاني .. فهم الواجب في الواقع ، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ، ثم يطبق أحدهما على الآخر )
نختم الحديث عن المنهاج بما نقله شيخنا المجاهد عمر أحمد عبد الرحمن من كلام الشهيد سيد قطب من الظلال يقول سيد رحمه الله ( إن شريعة الله تمثل منهجاً شاملاً ومتكاملاً للحياة البشرية يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية في جميع حالاتها في كل صورها وأشكالها ... وهو منهج قائم على العلم المطلق بحقيقة الكائن الإنساني والحاجات الإنسانية وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان وبطبيعة النواميس التي تحكمه وتحكم الكينونة الإنسانية .. ومن ثم لا يفرط في شيء من أمور هذه الحياة ، ولا يقع فيه ولا ينشأ عنه أي تصادم مدّمر بين أنواع النشاط الإنساني ولا أي تصادم مدمر بين هذا النشاط والنواميس الكونية إنما يقع التوازن والاعتدال والتوافق والتناسق .. الأمر الذي لا يتوافر أبداً لمنهج من صنع الإنسان الذي لا يعلم إلا ظاهراً من الأمر ، وإلا الجانب المكشوف في فترة زمنية معينة ، ولا يسلم بمنهجٍ يبتدعه من آثار الجهل الإنساني ، ولا يخلو من التصادم المدمر بين بعض ألوان النشاط وبعض الهزات العنيفة الناشئة عن هذا التصادم . وهو منهج قائم على العدل المطلق .. أولاً.. لأن الله يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق وكيف يتحقق .. وثانياً .. لأنه سبحانه رب الجميع فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع وأن يجيء منهجه وشرعه شيء من الهوى والميل والضعف كما أنه مبرأ من الجهل والقصور والغلو والتقصير _ الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي منهج آخر أو في أي شرع من صنع الإنسان ذي الشهوات والميول ، والضعف والهوى _ فوق ما به من الجهل والقصور _ سواء كان المشرع فرداً أو طبقة أو أمة أو جيلاً من البشر .. فلكل حالة من هذه الحالات أهواؤها وشهواتها وميولها ورغباتها ، فوق أن لها جهلها وعجزها عن الرؤية الكاملة لجوانب الأمر كله حتى في الحالة الواحدة في الجيل الواحد .. وهو منهج متناسق مع ناموس الكون كله لأن صاحبه هو صاحب هذا الكون كله . صانع الكون وصانع الإنسان . فإذا شرع للإنسان شرع له كعنصر كوني ، له سيطرة على عناصر كونية مسخرة له بأمر خالقه . بشرط السير على هداه وبشرط معرفة هذه العناصر والقوانين التي تحكمها . ومن هنا يقع التناسق بين حركة الإنسان وحركة الكون الذي يعيش فيه وتأخذ الشريعة التي تنظم حياته طابعاً كونياً ويتعامل بها لا مع نفسه فحسب ولا مع بني جنسه فحسب ولكن كذلك مع الأحياء والأشياء في هذا الكون العريض الذي يعيش فيه ولا يملك أن ينفذ منه ، ولا بد له من التعامل معه وفق منهج سليم قويم ... ثم إنه المنهج الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للإنسان . ففي كل منهج غير المنهج الإسلامي .. يتعبد الناس الناس .. ويعبد الناس الناس .. وفي المنهج الإسلامي _ وحده _ يخرج الناس من عبادة العباد إلى عباد الله وحده لا شريك له ) اهـ .
فالحمد لله الذي هدانا لهذا ... وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ... والله أكبر ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
l3wine

avatar

عدد الرسائل : 50
نقاط : 3056
تاريخ التسجيل : 21/10/2010

مُساهمةموضوع: رد   2010-11-06, 17:58

المبادئ الأساسية للدعوة الجهادية



الباب الثاني



}الشروط {


ويشتمل على فصلين :


الفصل الأول / الالتزام بالإسلام عقيدة وسلوكاً
الفصل الثاني / الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر













المبادئ الأساسية للدعوة الجهادية

الباب الثاني

} الشروط {

وهي الصفات الأساسية التي لا بد من توفرها في الداعية المجاهد الذي ينتمي لهذا الركب الرباني الطاهر . والحقيقة أننا إذا ما دقّقنا فإننا سنجد الكثير من الشروط التي ينبغي انطباقها على الأخ المجاهد اجتهدت هنا في ذكر أهمها وأرجوا أن أكون قد وفقت فيه وكذلك في الأبواب كلها .

الشرط الأول / الالتزام بالإسلام عقيدة وسلوكاً ، مع الكفر بكل أشكال الطاغوت ...

قال تعالى { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }
والالتزام بمعنى الاستقامة والثبات على العروة الوثقى التي هي الإسلام ومن أهل العلم من قال الإيمان ومنهم من قال يعني لا إله إلا الله وهذه الأقوال متقاربة وكلها صحيحة لا تنافي بينها .
وفي معنى الطاغوت يقول ابن القيم : ( الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاع فطاغوت كل قوم الذي يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله )
ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب : ( الطاغوت عام في كل من عُبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت )
ويقول الشنقيطي رحمه الله ( والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ }) اهـ
قلت ... والرضى بالعبادة وعدم الكراهية من المعبود من دون الله هي التي صيَّرته طاغوت واستدراكنا هذا لأن الأنبياء والملائكة والصالحين وُجدَ من عبدهم من دون الله ولكنهم لهذه العبادة كارهون ومنها مبرأون ولذلك خرجوا من مسمَّى الطاغوت مع وجوب الكفر بعبادتهم وبمن يعبدهم .
وخلاصة ما تقدم أن تعلم أخانا المجاهد أن الطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة :-
1- الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله وعبادة الناس للشيطان تأتي من جهة طاعته واتباعه على الكفر والشرك كما قال تعالى { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }
2- واضع الدستور المغير لأحكام الله والدليل قوله تعالى منكراً على المشركين المشرعين بما لم يرض به الله { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّه } ويدخل في هذا النوع التشريع ذاته الذي يضعه المشرع فهو طاغوت لقوله تعالى { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ } والمشرع من دون الله قد يكون شخص أو هيئة أو جماعة أو حزب أو مجلس يضم مشرعين أو أحبار ورهبان ومشائخ يكتسون الطابع الديني ... فيحللون ويحرمون ويحسنون ويقبحون ويقررون للعباد ما يهوونه ويرونه من دون الله فهؤلاء جعلوا أنفسهم أنداداً لله والواجب تكفيرهم والكفر بهم ... جاء في فتاوي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (1/542) :-
( والمراد بالطاغوت في الآية { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ } كل ما عدل عن كتاب الله وسنة نبيه إلى التحاكم إليه من نظم وقوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم ذلك ، أو بما يراه زعيم الجماعة أو الكاهن ومن ذلك يتبين أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها مضاهاة لتشريع الله
داخلة في معنى الطاغوت )
3- الحكم بغير ما أنزل الله ... إذا اعتقد عدم صلاحية ما أنزل الله أو أجاز الحكم بغيره وهذا الحاكم هو رأس الطغيان والجور لمجاوزته حكم الله الذي ارتضاه لعباده وإعراضه عنه واستبداله بحكم وشرائع الجاهلية . قال تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ( ولا إيمان لمن اعتقد أن أحكام الناس وآراءهم خير من حكم الله ورسوله ، أو تماثلها وتشابهها ، أو تركها وأحل محلها الأحكام الوضعية والأنظمة البشرية وإن كان معتقداً أن أحكام الله خير وأكمل وأعدل) وقال رحمه الله ) : العبودية لله وحده والبراءة من عبادة الطاغوت والتحاكم إليه من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله )
فانظر أخانا إلى كلام الشيخ وكيف اعتبر مجرد ترك الحكم بما أنزل الله واستبداله بالأحكام الوضعية يقتضي انتفاء مطلق الإيمان عن صاحبه وإن ادعى ما ادعى من سلامة المعتقد نحو شرع الله وحكمه _ ثم انظر إلى حال أكثر الأنظمة الحاكمة اليوم وكيف ينطبق عليها كلامه .
4- الذي يدعي علم الغيب من دون الله من العرّافين والكهان .. لقوله تعالى { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ }
والغيب من أخص خصائص الله تعالى وأي مخلوق يدعي هذه الخصوصية فهو طاغوت ورأس في الطغيان ومن أقره على ذلك فقد اتخذه إلهاً من دون الله لأنه إنما أقر له بخصائص الإلهية . ومما يدخل في معنى الكهانة والكاهن ضارب الفنجان والرمل والكف وكذلك الأبراج والأفلاك التي تملأ الصحف والإذاعات والفضائيات . فكل هذا من الكهانة والطغيان الذي يجب الكفر به والحذر منه .
5- الذي يعبده الناس ويدعونه من دون الله وهو راضٍ بذلك لقوله تعالى { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ }
واعلم رعاك الله أن العبادة تعني التذلل والخضوع والطاعة والدينونة ومنه طريق معبد أي مذلل من كثرة الوطء . والعبادة كما عرفها ابن تيمية ( اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة )
ونحن نعبد الله بكامل الخضوع والطاعة مع كامل الحب له سبحانه ، والعبادة بمعناها المتقدم شاملة لكل جوانب الحياة ومجالاتها وهي غير مقتصرة على أداء المناسك والشعائر التعبدية التي ساحتها المساجد والزوايا فحسب بل تطال كذلك الطاعة والانقياد والاتباع والحكم والتحاكم والحب والكره والدعاء وغيرها من الأمور . فإذا صرف الإنسان شيء منها لغير الله فقد عبد هذا الشيء من دون الله . فالعبادة هي الطاعة والانقياد والاتباع بخضوع وتذلل كامل مع حبٍ كامل لله تعالى . وعليه فلا تجوز الطاعة في معصية الله ولا التحاكم لغير الله ولا اتباع أي شخص فيما لا يرضي الله وإذا كان هذا المتبوع والمعبود من دون الله راضٍ بهذه الطاعة المحرمة والانقياد الأعمى فهو طاغوت كافر لما تقدم من أدلة ويجب تكفيره والكفر به .
قال ابن تيمية رحمه الله ( فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه وإن خالف أمر الله ورسوله فقد جعله نداً ، وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح فهذا من الشرك الذي يدخل صاحبه في قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ } ) وقال في موضع آخر ( فمن طلب أن يطاع من دون الله فهذا حال فرعون ، ومن طلب أن يطاع مع الله فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من الله أنداداً يحبونهم كحب الله . والله سبحانه أمر ألا يعبد إلا إياه وألا يكون الدين إلا له ، وأن تكون المولاة والمعاداة فيه )
واعلم أخا التوحيد أن الكفر بالطاغوت شرط لصحة التوحيد والإيمان فقد قدمه الله على الإيمان به وفي قول الله دليل على أن عبادة الله لا تنفع إلا باجتناب عبادة ما سواه إذ يقول سبحانه { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا } قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ( واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت ) . ثم استدل رحمه الله بالآية المتقدمة .. ثم قال ( الرشد دين محمد صلى الله عليه وسلم والغي دين أبي جهل ، والعروة الوثقى شهادة أن لا إله إلا الله وهي متضمنة للنفي والاثبات تنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله وتثبت جميع أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له )
واعلم أنه لا يمكن النجاة من النار دون التمسك بهذه العروة الوثقى فهي العروة الوحيدة التي ضمن الله تعالى لنا ألا تنفصم وما سواها من عرى الدين فلا تكفي وحدها دون هذه العروة للنجاة إذ لا تقبل دعوة ولا جهاد ولا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج إلا بها ولا يصح الإيمان بالله ولا ينفع صاحبه إلا بالكفر بالطاغوت أولاً .
واعلم أخانا أن التزام الإسلام عقيدةً في قلوبنا وعملاً بجوارحنا يعني تمثل العزة والكرامة واسمع لقول عمر الفاروق ( إنا كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزًّ بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله ) . نظرة واقعية من عزيزٍ أعزه الله بالإسلام .. رسالة واضحة إلى الذين صحبوا الدنيا كالأنعام السائمة لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم ولا في المراد من إخراجهم إلى هذه الدار الفانية .. رسالة عظيمة لسان حالها .. ملكتكم الشهوات وغاب عنكم داعي العقل وصدَّق عليكم ابليس ظنه { قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } . عزكم ذل , وعلوكم انحطاط في التوجه لغير الله ، وفي ظلام التشرذم الذي تعيشون تحت راياتٍ ومسميات انفلتت و انفلشت وتصارعت وتناحرت وتباغضت وتحاسدت وتناجشت فكانت أكبر مثالٍ لأذل حياة ...
( كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام ) .. كلمات ثمينة أُسقطت من خلالها الحسابات الشخصية والمصالح الفردية لتذيب معها كل الغايات نحو غايةٍ أسمى وأنبل ، أعلى وأجل .. لا إله إلا الله .. كلمة التوحيد الخالدة ومفتاح الملك الذي لا يبلى .. السبيل الأمثل والطريق الأصوب وكل ما سواها فهو باطل .. الزعامات , الرايات ، الجماعات ، التنظيمات كلها باطلة إلا من كان منها لله الواحد القهار ..
يخط النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض خطوطاً ثم يخط خطاً آخر والصحابة ينظرون .. فتلك سبل الشيطان وهذا سبيل الواحد المنّان .. فلا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله .. سبيل العزة والكرامة .. سبيل الحياة الإنسانية الرفيعة التي تحددت معالمها منذ يومها الأول لكل ذي لب .. ما له وما عليه .. سبيل عظيمة ما زالت خالدة بخلود الحق .. صدق الرجال في عهدهم مع الله فباعوا من أجلها النفس والنفيس .. وأدرك معناها المبطلون وبدأت المحن .. ثلة من المهتدين أمام الشرك وأزلامه وأدواته .. حملات من القهر والتنكيل صور من التشهير والتحقير .. ورمي بالجنون والتسحير .. اجتماعات ومؤتمرات .. دعم بالأموال والرجالات .. أعدادٌ وعُدَدْ .. لكن .. { هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } . ولكنها العقائد الجاهلية الفاسدة التي تحرك أبنائها لمواجهة الحق الزاحف الذي لا يزال أبلجاً واضحاً رغم قلة من يدركونه {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } لكنهم المؤمنون الحريصون على إيصال الحق للناس كافة .. رحمة بهم وشفقة عليهم من متاهات الجاهلية المظلمة الظالمة . يقول الصحابي الجليل ( ربعي بن عامر ) لرستم رمز الكفر وقائد الفرس ( نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل القرآن ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة )
" لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسيساً . ولن نربت على شهواتهم وتصوراتهم المنحرفة . سنكون صرحاء معهم غاية الصراحة .. هذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم .. هذه الأوضاع التي أنتم فيها خبث ولله يريد أن يطيبكم .. هذه الحياة التي تحيونها دون والله يريد أن يرفعكم .. هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم . والإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم ، وسيرفعكم إلى حياةٍ أخرى تنكرون معها هذه الحياة التي تعيشونها ، وإلى أوضاع أخرى تحتقرون معها أوضاعكم في مشارق الأرض ومغاربها ، وإلى قيم أخرى تشمئزون معها من قيمكم السائدة في الأرض جميعاً .. وإذا كنتم أنتم لشقوتكم لم تروا صورة واقعية للحياة الإسلامية ، لأن أعداءكم _ أعداء هذا الدين _ يتكتلون للحيلولة دون قيام هيه الحياة ، ودون تجسد هذه الصورة ، فنحن قد رأيناها والحمد لله ممثلة في ضمائرنا من خلال قرآننا وشريعتنا وتاريخنا وتصورنا المبدع للمستقبل الذي لا نشك في مجيئه " لكنه العدو الكافر واستكباره الفاجر الذي يأبى إلا أن يصد الناس عن النور والهداية فكان الجهاد طريقة لإزالة هذه العقبات المادية والحواجز المانعة التي تمنع الناس عن الإسلام المنقذ من الضلال .
واعلم أننا لا نكره أحداً على اعتناق ديننا وعقيدتنا بالمعنى الذي يقصده المستكبرون ، فلقد ذكر القاضي ابن العربي ثلاثة أقوال في قوله تعالى ( لا إكراه في الدين ) .. قال :-
الأول .. أنها منسوخة بآية القتال .
الثاني .. أنها مخصوصة بأهل الكتاب الذين يقرون على الجزية .
الثالث .. أنها عامّة في نفي الإكراه الباطل أما الإكراه بالحق فإن ذلك الإكراه من الدين .
قال الدكتور عمر عبد الرحمن ( وهل يقاتل الكافر إلا على الدين ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :- (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )) رواه مسلم وهذا قول ابن كثير وغيره من المفسرين )
واعلم أننا لن نسمح بأن يفرض هؤلاء الكفرة والطواغيت الضياع والضلال والظلم على الناس .. فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة لا يوقفه عدل عادل أو جور جائر والرشد ظاهر من الغي الذي لا يزال قائماً وإن اختلفت مسمياته وتعددت أشكاله ، وعلى الراشدين اليوم تطهير الأفكار مما علق بها من الشوائب وتوضيح صراط الإسلام الحقيقي والإلتزام به وإزالة كل ما تغشاه من التشويه .. والحفاظ على موروثنا العقائدي من الإلتباس على بعض العوام بفعل الموجات المضادة .. والذين يشكلون أغلبية في زمن المؤامرات والإحتلالات .. والتاريخ والواقع والتجارب أكبر دليل وبرهان على ذلك .
هذه هي الحقيقة وهذا ديننا وينبغي علينا اليوم ألا نتلجلج في طرحنا أو نتدسس إلى الناس تدسساً بل نصدع بالحق صدعاً .. فالله أمرنا بذلك .. والباطل مكشوف والحق معروف .. وما الحيرة التي يمر بها الشباب المسلم إلّا بسبب غياب الطرح الواضح من العلماء وغياب القول الفصل في كل مسألة والحكم الصادق على كل مُشْكِلْ ..

لأجاهدن عداك ما أبقيتني ولأجعلن قتالهم ديدانِ
ولأفضحنهم على روس المَلَا ولأفرين أديمهم بلسانِ
موتوا بغيظكم فربِّي عالمٌ بسرائر منكم وخبث جنانِ
فالله ناصر دينه وكتابه ورسوله بالعلم والسلطانِ
والحق ركن لا يقوم لهدِِّه أحد ولو جمعت له الثقلانِ

واعلم أخانا أن الفتنة والذل والصغار والخسران المبين في ترك الصدع بالحق والجهاد في سبيل الحق يقول سيد رحمه الله " إن كل التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليبذل مثلها وأكثر من يدينون لغير الله ، والذين يخشون العذاب والألم والإستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال وفوقها الأخلاق والأعراض ، إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله ، وفوق ذلك كله الدنس والذل والعار " فلينظر إلى كلام سيد رحمه الله وحجم التضحيات التي يشير إليها كل أولئك المهزومون تحت ضغط الواقع والذين يصورون الجهاد ضد الكفار والطواغيت بأنه أشد فتنة وأكثر كلفة من السكوت عليهم والرضى بهم .
اعلموا هداكم الله للحق وثبتكم عليه أن الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله فريضة عظيمة فرضها الله علينا ولا مناص من التكاليف { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } واعلموا أن ما تقدم من حديث عن المنهاج وما تبعه يبين أن المنهاج يتمثل في الإسلام عقيدةً وسلوكاً وأن هذا الدين حقاً منهج حياة .. وهذا المنهج مكوّن من الكتاب والسنة بالإضافة إلى اجتهادات العلماء في نطاق الكتاب والسنة . قال تعالى في فضل العلماء { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } وقال { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } وقال { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم )) ثم قال (( إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلِّمي الناس الخير )) فالله نسأل أن يحفظ علمائنا وينفعنا بهم ويثبتنا على خطاهم ويجزيهم عنا خير الفضل والجزاء ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن الله لا يقبض العلم إنتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقَ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم وفضُّلوا وأضلوا )) نعوذ بالله من ذلك .
فدستورنا الخالد ومنهاجنا الراشد هو الإسلام الذي نسعى لإقراره وتطبيقه روحاً وديناً ... تشريعاً وقانوناً ... اعتقاداً وسلوكاً ... فالعقيدة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسلوك فإذا صلحت صلح السلوك وإذا فسدت فسد السلوك ... والإسلام كما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه المشهور لجبريل ( أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً ) .

* الإسلام والإيمان /

اعلم أخا التوحيد أن الإسلام والإيمان حقيقتان متلازمتان ، فالعلاقة بينهما علاقة عموم وخصوص فالإسلام دائرة عامة تتسع لتشمل جموع المسلمين الموحدين وينبري منها جملة الذين امتازوا بتحقيق معاني الإيمان في قلوبهم ، ولا عبرة بإسلام دون إيمان فلا بد من الإيمان بالقلب مع العمل بالجوارح ...
ولا بد لنا من الإيمان الراسخ لكي يتحقق فينا الإسلام الصحيح ... لا بد من التصديق الجازم بوجود الله الخالق وأنه سبحانه الإله الحق في السماوات والأرض لا شريك له وليس كمثله شيء ... وبوجود الملائكة المخلوقين من نور الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا يعلم عددهم إلا الله ... والتصديق كذلك بالكتب السماوية وأنها شرع الله قبل أن تنالها أيدي البشر بالتحريف والتبديل وأن القرآن الكريم هو كتابه الباقي المحفوظ من كل تحريف أو تبديل ... والتصديق بجميع الرسل المختارين من الله لهداية خلقه والاعتقاد بأنهم بشر معصومون ... والتصديق بيوم آخر يبعث الله فيه الناس من قبورهم ويحاسبهم على ما قدموا من خيرٍ أو شر ... والتصديق بأن كل ما يجري في هذا الكون صغيراً كان أو كبيراً هو بتقدير الله عز وجل وإرادته وداخل تحت مشيئته ولحكمةٍ لا يعلمها إلّا هو ...ولعله من المهم أن نعرف أن المسألة عبارة عن دوائر يرتقي فيها المرء حسب نسبة الاقتناع والجهد لديه ، فالإيمان كما نعرف درجة أرفع من الإسلام مع أن الإسلام أشمل وأعم من حيث المعنى ، يقول الله تعالى {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً } وعن أنسٍ روى عن النبي قال (( الإسلام علانيةً والإيمان في القلب وأشار على صدره )) والإحسان درجةً أرفع وأدق من الإيمان فليس كل المؤمنين وصلوا إلى درجة الإحسان وإن كانوا قد أحسنوا في بعض المواقف ، إلا أن الإحسان بمعنى أن يصل المؤمن إلى درجة اليقين المطلق هو بمعنى " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وفي هذا المعنى يقول علي (( والله لو رأيتُ الله ما ازددت يقيناً )) .. لأنه تمثل الإحسان في عبادته رضي الله عنه فعاش اليقين الأعظم وكأن الله أمامه ، ولكي نستكمل موضوع الإيمان فيجب على المسلم كذلك أن يؤمن بوجود عالمي الجن والشياطين ، لأن الإيمان بهما واجب حتماً وجزءاً من عقيدة المؤمن وإنكار وجودهما يعتبر كفراً صراحاً مخرجاً من الملة الإسلامية لأن في ذلك تكذيب لله تعالى في إخباره وتكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وكفى بتكذيبهم كفراً وباطلاً . ولا بد للمسلم كذلك من الإيمان بوجود قرين من الجن موكل بكل إنسان والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم (( ما من أحدٍ إلّا وقد وكل به قرينه من الجن . قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلّا بخير )) والله تعالى يقول {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ } واعلموا أيها الموحدون أن أعظم نعمة أنعمها الله علينا أن خلقنا مسلمين وهدانا لتعليم هذا الدين الكفيلة بسعادتنا في ديننا وآخرتنا ... ولكن المآل إلى الخزي والسفال إذا لم نقم بأداء الأمانة وتبليغ الديانة وحملها للعالمين والسير في ذلك على خطى سيد المرسلين الذي حمل الأمانة العظيمة وكان على قدر التكليف وكان لنا فيه الأسوة الحسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً فما ترك أمراً يقربنا إلى الله إلا أمرنا به ولا أمراً يبعدنا عن الله تعالى إلا نهانا عنه ، نطقت بذلك سنته ودلت على ذلك سيرته ومضى على ذلك خلفائه الراشدون وأصحابه المهتدون وبذلك قامت الحُجة واتضحت المحجة بيضاء ساطعة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلّا هالك ولا ينكبها إلّا ضال .
ونحن بعون الله على أثرهم سائرون بدين الله الكامل وشرعه الشامل نصدع به جهاراً نهاراً لا نخشى في الله لومة لائم ... {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ }
ولن نرتد بإذن الله .. فقد رأينا العزة والنور و الهدى .. ولن نُفرِّط مهما كان من ثمن .. ولإخواننا جند الله نقول ...

تقدموا يا جندنا إلى الأمام تقدموا
دين العدالة ديننا فلتحفظوه لتسلموا
فيه الكرامة كلها وبعزّه لن تندموا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
l3wine

avatar

عدد الرسائل : 50
نقاط : 3056
تاريخ التسجيل : 21/10/2010

مُساهمةموضوع: رد   2010-11-06, 18:01

الحق قلب بنائه صدقاً فهيّا أقدموا
رغم الصعاب بحمله فقلوبنـا تبتسمُ
وعد الإلهُ بحفظه من كيدهم فلتعلموا
امضوا فنحن جنوده وبالدعاء ترنموا

* * * *

* نواقض الإسلام /

وإذا كان هذا هو الإسلام الحنيف الذي يجب على المجاهد الالتزام به اعتقاداً وسلوكاً .. فاعلم أن هناك نواقض كثيرة تخرج المسلم من دائرة الإسلام إلى الكفر والردة والعياذ بالله ، ويجب على المجاهد الحرص منها وتحذير الناس منها وأن يخافها على نفسه وأهله ... ولقد أجمع المسلمون على عشرة نواقض للإسلام تخرج المسلم من الملة والعياذ بالله ...
1- الشرك في عبادة الله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد .. قال تعالى { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ }
2- جعل وسائط بين العبد وربه يدعوهم ويجعلهم وسائط ويسألهم الشفاعة . كفر إجماعاً
3- عدم تكفير المشركين أو أن يصحح مذهبهم أو الشك في كفرهم . كفر إجماعاً
4- اعتقاد عدم كمال هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأن حكم غيره أحسن من حكمه وهدي غيره أكمل من هديه . كفر إجماعاً
5- بُغض شيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولو عمل به . لقوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } .
6- الاستهزاء بشيء من دين الله أو بثوابه أو بعقابه .. كفر إجماعاً .. والدليل قوله :- { قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } وهذه الآيات نزلت في أناس مسلمين يصلون ويصومون ويزكون ويشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وجاهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بل خرجوا معه في أعظم غزواته ومع ذلك كفرهم الله تعالى لما صدر منهم من كلامٍ استهزؤوا فيه بحفظة كتاب الله ... فكيف بأراذل الخلق الذين اتخذوا دين الله ورائهم ظهيراً وجعلوه هزءاً وألعوبة للساقطين والساقطات على الإذاعات والفضائيات جهاراً نهاراً لا يرجون لله وقاراً ...
7- السحر ومنه الصرف وهو صرف المرء عما يحب والعطف وهو ترغيب المرء فيما يكره .. فاعله والراضي به كفر إجماعاً لقوله تعالى {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } .
8- مظاهرة ومعاونة المشركين والكافرين على المؤمنين الموحدين المجاهدين . كفر إجماعاً . والدليل قوله { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } قال القرطبي ( قوله تعالى " ومن يتولهم منكم" أي يعضدهم على المسلمين "فإنه منهم" بين تعالى أن حكمه كحكمهم ، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد ) وقال الشوكاني ( قوله تعالى "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" أي من جملتهم وفي عدادهم ، وهو وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية _ إلى أن قال في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } _ وهذا شروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر ، وذلك نوع من أنواع الردة ) وقد قال ابن تيمية رحمه الله ( قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} فيوافقهم ويعينهم{ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } )
ولقد تبين لك أخا التوحيد من خلال ما تقدم أن الذي يوالي المشركين ويعضدهم على الموحدين خارج عن دين الله بالكلية وإن ادّعى ما ادعى من الإسلام والصلاح . وهؤلاء الحكام اليوم يكفرون من باب توليهم للمشركين الشرقيين والغربيين ومعاونتهم على المجاهدين الموحدين سواء بالاتفاقيات الأمنية التي يتبادلون من خلالها المعلومات عن المجاهدين أو بتسليم المجاهدين الموحدين لأعدائهم من الكفار والطواغيت .. بل وصل الحد اليوم إلى تشكيل أمريكا والغرب لجيوشٍ كاملةٍ من المتأسلمين بولاءات مطلقةٍ للكافرين لمحاربة المجاهدين الموحدين وينزلون إلى الساحات ويقتلون ويبطشون قتلهم الله بل يفعلون الجرائم والفساد وينسبونها إلى المجاهدين عبر إعلامهم الكافر ليشوهوا صورتهم كما يحدث في العراق وأفغانستان وباكستان والصومال وفلسطين والفلبين وغيرها من بلاد المسلمين نعوذ بالله من هذا الكفر المبين ...
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عند قوله تعالى {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } قال رحمه الله ( إن هذه الآيات نزلت في أناس كانوا يظهرون الإسلام ويقبل منهم ذلك في الدنيا فيعاملون معاملة المسلمين لأن المسلمين مأمورون بالأخذ بالظاهر ، لكنهم لما عقدوا مع اليهود اتفاقية نصرة ضد الموحدين والله يعلم إنهم باتفاقياتهم هذه كاذبون ومع ذلك عقد بينهم وبين أهل الكتاب عقد الإخوة ، ووصفهم بأنهم إخوانهم وهذا تكفير لهم فكيف بمن عقد اتفاقيات النصرة مع المشركين من عبيد القوانين الشرقيين والغربيين وحاربوا الموحدين وسلّموهم إلى حكومات بلادهم ؟؟! فعلاً لا شك أنه داخل في هذا الحكم من باب أولى ) .
9- اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يجب عليه اتباعه كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى عليه السلام . كفر إجماعاً
10- الإعراض عن دين الله (( عدم تعلمه وعدم العمل به )) كفر إجماعاً والدليل قوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ }
واعلم أخا التوحيد أنه لا فرق بين الهازل والجاد والخائف فيما تقدم من نواقض ( إلا المكره ) وجميعها عظيمٌ خطرها كثيرٌ وقوعها فينبغي على المسلم الحذر منها وأن يخافها على نفسه وقد ذكر العلماء شروطاً لصحة الإكراه منها ...
* أن يكون المكرِه (بكسر الراء ) قادراً على إيقاع ما يهدد به ، والمأمور المكرَه عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار .
* أن يكون ما هدّد به فورياً . فلو قال : إن لم تفعل كذا ضربتك غداً ، لا يعد مكرهاً .
* أن يغلب على ظنه إنه إذا امتنع أوقع به ذلك .
* ألا يظهر من المأمور ما يدل على تماديه بأن يعمل زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء .. كما فرق العلماء بين الإكراه على المعاصي والإكراه على قول الكفر أو موالاة الكافر وأمثاله .. فلم يجوِّزوا الثاني إلا لم عذب عذاباً لا طاقة له به ، وذكروا القتل والتحريف والتقطيع وأمثال ذلك .. ومعلوم أن عمار بن ياسر رضي الله عنه هو الذي نزلت بسببه آيات التقية ومعلوم أنه لم يقل ما قال إلا بعد أن عذب عذاباً شديداً وقد قُتل أبوه وأمه على مرأى منه ومسمع ... وأكثر المتعذرين بالتقية في هذا الزمان ممن أوضعوا في الشرك والفتن ودخلوا في دين الكفار والطواغيت اختياراً من غير إكراه حقيقي .. ما نالهم عشر معشار ما ناله وإنما استحباباً للدنيا وشهواتها وحسبنا فيهم قول الله تعالى {وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً }
واعلم أخا التوحيد أن الأخذ بالعزيمة والصبر على الأذى أعظم عند الله أجراً وللدعوة أكثر نفعاً وانظر إلى مواقف الصحابة والتابعين وكيف وقفت شاهدة عبر العصور على صلابتهم في دين الله لإظهاره وتمكينه وانظر إذا أردت صحيح البخاري باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر .
ونحن والحمد لله لا نحكم إلا على الظاهر ولم نكلف بالبواطن ... فكما أننا نكف سيوفنا عمن أبطن الكفر والنفاق وأبدى شعائر الإسلام وموالاة أهله .. فكذلك نُعمِلها في هام من أظهر مولاة الكفار وشايعهم وانحاز إليهم وإن زعم أنه يبطن الإسلام .. فالله أعلم به وهو يتولى السرائر ويعلم الصادق من الكاذب ويبعث الناس على نياتهم يوم القيامة فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بهم بأولهم وآخرهم ) قالت : قلت يا رسول الله ، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟! قال ( يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم ) وفي هذا المعنى يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن أظهر لنا خيراً أمنّاه وقربنا وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته . ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدّقه وإن قال إنَّ سريرته حسنة ) .
على أننا سنوضح هنا مسألتين من النواقض بعد أن استعرضناهما بإيجاز وهما الشرك والسحر لما تعانيه مجتمعاتنا اليوم منهما وإن كانت في معظمها تعاني من النواقض المتقدمة كلها والعياذ بالله . فلا بد لنا من حسم هذه القضية الأصيلة مع القوم قبل الإنشغال بالفروع والرقائق والفقهيات ، وأنَّى للجهود أن تثمر دون الأصل المبين والجذر المتين أن نقرره في نفوس الناس ونوضح لهم ما يناقض هذا الأصل من الشرك ومقتضاه .. والسحر وبلواه .. وسائر ما يناقض الدين وينقضه ويهدم البنيان ويقضّه ...
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( فالله الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم وأوله وأُسَّه ورأسه شهادة أن لا إله إلا الله واعرفوا معناها وأحبوها وأحبوا أهلها واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين منكم نسباً واكفروا بالطواغيت وعادوهم وأبغضوهم وابغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال ما عليَّ منهم أو قال ما كلفني الله بهم فقد كذب هذا على الله وافترى إثماً مبيناً فقد كلّف الله كل مسلم ببغض الكفار وافترض عليه عداوتهم وتكفيرهم والبراءة منهم ، ولو كانوا آباءهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، فالله الله تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئاً ) اهـ .
واعلم هداك الله أن "لا إله إلا الله" تعني لا معبود بحق إلا الله فهي تنفي جميع أنواع العبادة لغير الله وتثبتها لله وحده لا شريك له .
وكلمة التوحيد العظمى "لا إله إلا الله" تنفي أربعة أمور وتثبت أربعة أمور _ تنفي ..
1- الآلهة .. وهي كل ما قصده المرء بشيء من جلب خير أو دفع ضُر فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل .
2- الطواغيت .. وهي كل ما عبد من دون الله أو رُشح للعبادة وهو راضٍ بذلك .
3- الأنداد .. وهو كل ما جذبك عن دين الله من مسكن أو أهل أو مال أو وطن وغيرهما ...
4- الأرباب .. وهي كل ما أفتاك بمخالفة الحق وأطعته مصداقاً لقول الله تعالى {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ } وهي في المقابل تثبت أربعة أمور أخرى ...
1- القصد .. أي لا تقصد إلا الله .
2- التعظيم والمحبة .. لقوله تعالى { وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ } .
3- الخوف والرجاء .. لقوله تعالى { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } .
4- التقوى .. وهي كما قال ابن مسعود ( أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله ترجو ثواب الله ، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله تخاف عقاب الله ) .
واعلم أيها المجاهد أن "لا إله إلا الله" قُيّدت بقيود وأُشتُرط لها شروط لا بد من مراعاتها والأخذ بها والعمل بمضمونها ، لأن قائلها الذي يدخل بها الجنة لا بد له من مراعاة تلك القيود والشروط في نفسه حتى يكون من المفلحين .
منها قوله صلى الله عليه وسلم ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ) فقيدت بشرط الكفر بالطاغوت .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ( من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ) فقيدت بالعلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتاً ومعرفة متطلباتها . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ( ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار ) وقال ( أبشروا وبشروا من ورائكم ، أنه من شهد أن لا إله إلا الله صادقاً بها دخل الجنة ) فأضاف قيد الصدق والإخلاص المنافي للتكذيب والنفاق . وقد قال ابن القيم رحمه الله ( يجب مع كل عمل حتى يكون إسلامياً موافقاً الإخلاص والصواب ) .. والخالص أن يكون لله ، والصواب أن يكون على السنة .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاك فيهما إلا دخل الجنة ) فقيدت بشرط اليقين المنافي للشك وهو اليقين الجازم من قائلها بمدلولها ومعانيها .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ( ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ) فلا بد من الموافاة عليها أي على التوحيد ...
واعلم رعاك الله أن هناك شرطين أساسيين لهذه الكلمة العظيمة كذلك لا بد منها اليوم في ظل هذا الغبش والغموض واللبس وعدم استبانة طريق المسلمين الصالحين من طريق المشركين المجرمين واختلاط الشارات والعناوين والجهل بمدلول لا إله إلا الله والإسلام من جهة وبمدلول الشرك والجاهلية من جهة أخرى ... والشرطان هما ...
1- المحبة والولاء لهذه الكلمة ولما اقتضته ولأهلها العاملين بها الملتزمين بشروطها .. قال تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ } قال الشيخ حافظ الحكمي ( وعلامة حب العبد ربَّه ، تقديم محابّه وإن خالفت هواه وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه ، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عادى الله ورسوله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره وقبول هداه ) اهـ .
وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يؤمن عبدٌ حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين ) .
قال أبو سليمان الخطابي في شرحه للحديث فمعناه لا تصدق في حبي حتى تفنى في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك ) وقال ابن القيم رحمه الله في نونيته ...

شرط المحبة أن توافق من تحب ....... على محبةٍ بلا عصيانِ
فإذا ادّعيت له المحبة مع خلافك .... ما يحب فأنت ذو بهتانِ
أتحب أعداء الحبيب وتدّعي .... حباً له ما ذاك في إمكانِ
وكذا تعادي جاهداً أحبابه ..... أين المحبة يا أخا الشيطانِ
ليس العبادة غير توحيد المحبة ... مع خضوع القلب والأركانِ
ولقد رأينا من فريق يدّعي .... الإسلام شركاً ظاهر التبيانِ
جعلوا له شـركاء والوهم ... وسوّوهم به في الحب لا السلطانِ

2- البراءة والبغض والمعاداة لأعداء هذه الكلمة الغير ملتزمين بها وبشروطها .. قال صلى الله عليه وسلم ( أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله ) يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ( إن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين كما قال تعالى في سورة المجادلة {لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } ) ويقول أبو الوفاء بن عقيل رحمه لله ( إذا أردت أن تعرف الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا في ضجيجهم بلبيك ولكن انظر لمواطأتهم لأعداء الشريعة فاللجا اللجا إلى حصن الدين والاعتصام بحبل الله المتين والانحياز إلى أوليائه المؤمنين والحذر الحذر من أعدائه المخالفين . فأفضل القرب إلى الله تعالى مقت من حادَّ الله ورسوله وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان ) يقول العلامة ابن القيم ( لمّا نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال ) واعلم هداك الله أننا إذ أوضحنا لك كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بمعناها ومدلولها وشروطها حتى تلتزمها وتدعو إليها وتحب أهلها وتناصرهم وتذب عن أعراضهم ودمائهم وأموالهم ... فإننا سنوضح لك الشرك الذي ينبغي أن تجتنبه وتبغضه وتعادي أهله وتحذر الناس منهم ... والله الموفق إلى سواء السبيل ... نقول ...
أولاً ... الشرك / قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ( أصل دين الإسلام وقاعدته أمران .. الأول .. الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه ... الثاني .. الإنذار عن الشرك في عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله ) اهـ .
واعلم أن الشرك ينقسم إلى قسمين هما الشرك الأكبر الذي يخرج فاعله من ملة الإسلام والشرك الأصغر الذي يُنافي كمال التوحيد ولا يخرج فاعله من الملة وإن كان وسيلة إلى الشرك الأكبر .. والشرك الأصغر كيسير الرياء وقول الرجل للرجل " ما شاء الله وشئت" ...
أما الشرك الأكبر فهو صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى ... قال تعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } فصاحب هذا الشرك مخلد في الجحيم والعياذ بالله العظيم ...
والشرك الأكبر أربعة أنواع أعاذك الله منها .. وهي /
1- شرك الدعاء .. قال تعالى {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } فالضر والنفع بيد الله وحده ، ومن خصائصه سبحانه أنه الضار والنافع وهو يجير ولا يجار عليه . وفي الحديث عن ابن عباسٍ قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( يا فتى ألا أهب لك ، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فسأل الله واعلم أن الخلائق لو أرادوك بشيء لم يردك الله به لم يقدروا عليه واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً ) قال ابن تيمية ( فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب ، وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات .. فهو كافر بإجماع المسلمين )
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( فمن عبد الله ليلاً ونهاراً ثم دعا نبياً أو ولياً عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا الله ، لأن الإله هو المدعو ، كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر وغيرهم . ومن ذبح لله ألف ضحية ثم ذبح لنبي أو غيره فقد جعل إلهين اثنين " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " ) وقد ذكر الشيخ عبد اللطيف آل موسى مظاهر شركٍ واضحة المعالم في حياة الناس اليوم وهم بحاجةٍ إلى تبصير بها وبحقيقتها .. قال ( ومن هذه المظاهر .. دعاء غير الله ، ويظهر ذلك في الأناشيد التي تقال في بمناسبة احتفال مولد أو ذكرى تاريخية فقد ينشدون ...

يا إمام الرسل يا سندي أنت باب الله ومعتمدي
وفي دنياي وآخرتي يا رسول الله خذ بيدي
من يبدلني عسري يُسراً إلاك يا تاج الحضرة

ولو سمع النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا لتبرأ منه إذ لا يبدل العسر يسراً إلا الله وحده ومثلها قصائد الشعر التي تكتب في الصحف والمجلات والكتب والتلفاز والأشرطة فيها طلب المدد والعون والنصرة من الرسول والأولياء والصالحين العاجزين بالطبع عن تحقيقها )
وإذا كان العلماء قد شددوا على عدم الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم المشرَّف فما بال دعاء النبي نفسه بطلب المدد فيما لا يقدر عليه إلا الله ، واعلم أنه لا يجوز ذلك عند أي قبر كان .
2- شرك النية والإرادة والقصد .. قال تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } الحبوط مأخوذ من حبطت الناقة إذا رعت مرعى خبيثاً فانتفخت ثم نفقت ... وهكذا حبوط العمل إذ يتضخم العمل الباطل مع انتفاخ مظهره فيخيل للكافر أنه حق ثم سرعان ما يهلك في النهاية ويبور تماماً كهلاك الناقة بعد انتفاخها والأدلة على حبوط العمل بهذا الشرك كثيرة منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد ، فأتى به فعرفه نعمته فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت . قال : كذبت ، ولكنك قاتلت لأن يقال : جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار . ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن ، فأتى به ، فعرفه نعمه فعرفها . قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن ، قال : كذبت ، ولكنك تعلمت ليقال عالم ، وقرأت لكي يقال هو قارىء ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار . ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال ، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها . قال : فما عملت فيها ؟ قال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك . قال : كذبت ، ولكنك فعلت ليقال : هو جواد ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار )
3- شرك الطاعة ... قال تعالى {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ } والمعنى أطاعوا الأحبار والرهبان فيما شرعوه لهم من تحريمٍ للحلال وتحليلٍ للحرام .
قال البغوي في التفسير ( فإن قيل إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان _ بمعنى الركوع والسجود _ قلنا : معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا فاتخذوهم كالأرباب . وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي ( يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك )) فطرحته فلما انتهيت إليه وهو يقرأ {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ } حتى فرغ منها قلت : إنا لسنا نعبدهم ، فقال (( أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه )) قال : فتلك عبادتهم ) واعلم أخا التوحيد أن عبادة الطاعة المحرمة تخفى على كثيرٍ من الناس بخلاف العبادات الظاهرة كالصلاة والصيام والسجود التي أمروهم بها لما أطاعوهم ولربما رجموهم ولكن جاءوهم من جهة الطاعة والانقياد الأمر الذي تخفى فيه صفة العبودية على كثيرٍ من الناس فتنبه ! .
وقد ذكر الشيخ أبو بكر الجزائري من مظاهر الشرك البينة في زماننا الانقياد للحكام وطاعتهم في معصية الله تعالى ... يقول ( من مظاهر الشرك في زماننا الخنوع للحكام غير المسلمين والخضوع التام لهم وطاعتهم بدون إكراه منهم لهم حيث حكموهم بالباطل وساسوهم بقوانين ودساتير الكفر والكافرين فأحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال ولم ينكروا عليهم ذلك أو يرفضوه وهذا شرك ومعصية يشهد له حديث عدي الذي رواه الترمذي وحسنه ) انتهى بتصرف
ولا يجوز للمسلم كذلك الاحتكام إلى حكام الفرع والعادة وحكايات الآباء والأجداد وهو ما يعرف "بالسوالف" أو "حق العرب" رغبةً وإعراضاً عن حكم الله ورسوله وكثير من الناس اليوم يفعلون هذا والعياذ بالله ... قال صلى الله عليه وسلم ( سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها ، فقلت _ وهو عبد الله بن مسعود _ يا رسول الله إن أدركتهم كيف أفعل ؟ قال : تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل ؟ لا طاعة لمن عصى الله )
4- شرك المحبة ... قال تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ } ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ) قال ابن تيمية رحمه الله ( لا يجوز أن يُحب شيء من الموجودات لذاته إلا هو سبحانه وبحمده ... إلى أن قال رحمه الله ... فإن محبة الشيء لذاته شرك فلا يُحب لذاته إلا الله فإن ذلك من خصائص إلهيته فلا يستحق ذلك إلا الله وحده ، وكل محبوب سواه لم يُحب لأجله فمحبته فاسدة ) واعلم أخانا أن من الأدلة على شرك الحب والطاعة والاتباع قول المجرمين وهم في سقر {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } قال ابن القيم رحمه الله ( ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل وهذا غاية الجهل والظلم فكيف يُسَّوى التراب برب لأرباب ؟ وكيف يُسَّوى العبيد بمالك الرقاب ؟ ... إلى أن قال رحمه الله ... وإنما سووهم برب العالمين في الحب لهم كما يُحب الله فإن حقيقة العبادة هي الحب والذل )

ثانياَ ... السحر /

السحر في اللغة كل ما لطف ودق مأخذه وأصله صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق وخيّل الشيء على غير حقيقته قد سحره عن وجهه أي صرفه ، وسحره أيضاً بمعنى خدعه .
والسحر هو اتفاق بين الساحر وشيطان على أن يقوم الساحر بفعل المحرمات والشركيات في مقابل مساعدة الشيطان له وطاعته فيما يطلب منه .. والسحر ثابت عند أهل السنة والجماعة وله حقيقة ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة . يقول ابن قدامة المقدسي رحمه الله ( وهو عقد ورقي وكلام يتكلم به أو يكتبه أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له ، وله حقيقة فمنه ما يقتل وما يمرض وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه وما يبغض أحدهما إلى الآخر أو يحبب بين اثنين وهذا قول الشافعي ) وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاعتقاد أن السحر يؤثر بذاته وإنما يجب على المؤمن أن يعتقد أن السحر وغيره لا يؤثر إلا بإرادة الله جل في علاه { وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ } وهل يباح تعلم السحر وتعليمه ؟
ذهب جمهور أهل السنة إلى أن تعلم السحر وتعليمه حرام . ويكفر الساحر بتعلم السحر وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته .
قال القرطبي رحمه الله ( قوله تعالى{وما كفر سليمان} تبرئة من الله لسليمان ، ولم يتقدم في الآية أن أحداً نسبه إلى الكفر ، ولكن اليهود نسبته إلى السحر ، ولكن لما كان السحر كفراً صار بمنزلة من نسبهُ إلى الكفر ، ثم قال {ولكن الشياطين كفروا} فأثبت كفرهم بتعليم السحر) واسمع أخا التوحيد لكلام ابن تيمية عن السحرة لتعلم كفرهم الذي ما بعده كفر .. يقول رحمه الله ( وكثير من هذه الأمور يكتبون كلام الله فيها بالنجاسة _ وقد يقلبون حروف كلام الله عز وجل _ إمّا دم وإما غيره ، وإما بغير نجاسة ، أو يكتبون غير ذلك بما يرضاه الشيطان ، أو يتكلمون بذلك ، فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم على بعض أغراضهم ) وقد نقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن صاحب "الإقناع" قوله ( ويحرم تعلم السحر وتعليمه وفعله ، ويكفر بتعلمه وفعله ، سواء اعتقد تحريمه أو إباحته ) . ونقل الآلوسي عن بعض أهل العلم وجوب تعلم السحر على المفتي حتى يعلم ما يقتل به وما لا يقتل به فيفتي به في وجوب القصاص . ثم قال ( والحق عندي الحرمة تبعاً للجمهور إلّا لداعٍ شرعي ) . وعن حكم الساحر في الإسلام ؟
يقول الحافظ ابن حجر ( وعند مالك أن حكم الساحر حكم الزنديق فلا تقبل توبته ويُقتل حداً إذا ثبت عليه ذلك وبه قال أحمد وقال الشافعي لا يُقتل إلا إن اعترف أنه قتل بسحره فيُقتل به ) ويتضح مما سبق أن جمهور العلماء يقولون بقتل الساحر إلا الشافعي رحمه الله يقول لا يُقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره فيُقتل قصاصاً .. وروي عنه أن الساحر إذا قال لم أتعمد القتل لم يُقتل وكانت فيه الدية كقتل الخطأ وإن أضرَّ به أُدب على قدر الضرر . نقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن وذهب مالك وأحمد إلى أنه لا تُقبل توبته وحكمه حكم الزنديق .. وقول الجمهور أولى بالإتباع ... وفي حكم ساحر أهل الكتاب ؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن ساحر أهل الكتاب لا يُقتل إلا أن يقتل بسحره فيُقتل .
لما ثبت أن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله ، ولأن الشرك أعظم من سحره ولا يُقتل بالشرك . والأخبار وردت في ساحر المسلمين لأنه يكفر بسحره وهذا الكتابّي كافر أصلي .

* * *
وبعد أخوتنا .. فهذا هو الإسلام الذي يجب التزامه لمن ينضوي تحت لوائنا اعتقاداً وقولاً وعملاً حتى يكون من الطائفة المنصورة بإذن الله الساعية إلى إظهار الدين والتوحيد ونبذ الشرك والتنديد ...
والواقع المرير الذي تعيشه أمتك لا يخفى عليك .. تداعت عليها الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها وما بنا من قلة .. بل نحن اليوم كثير .. ولكن غثاء كغثاء السيل .. إنه الوهن حب الدنيا وكراهية الموت .. إنه الابتعاد عما فيه حياة القلوب وحياة الشعوب .. نحتاج إلى وقفةٍ جديةٍ مع أنفسنا .. وتقييم عقائدي لمن حولنا .. فاليهود هم اليهود .. والنصارى هم النصارى .. والمرتدين بين أظهرنا ما زالوا يتربصون بهذه الأمة وفيها السماعون والمقلدون .. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه خلفهم ، قالوا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟قال : فمن ؟ ) ...
قتلوا الأنبياء .. ونقضوا العهود مع رسول الله .. وما زالوا رافعين لشعار الخنث والنقض حتى اليوم وإلى أن يقتلهم الله {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بدلوا الكلم عن مواضعه .. وعبَّدوا الناس من دون الله .. ولا يزالون بنا اليوم كما الأمس حتى يردوننا عن ديننا إن استطاعوا ولن نرتد بإذن الله .. وها هو إسلامكم أيها الموحدون أضحى غريباً وأضحى حاملوه غرباء .. بعد تراجع المسلمين عن الكثير من السمات التي تميزهم والتي أمر بها نبيهم .. ومهما يكن من مداهنة ومساومة وانبطاح .. فالنتيجة واحدة {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } وملتهم أي دينهم الباطل المحرف القائم على الكفر والفسوق والعصيان وطاعتهم على الكفر والفسوق والعصيان هي النتيجة التي يبغونها ...اسمع إلى سيد قطب رحمه ( إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها ... ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين _ اليهود والنصارى _ يلونانها بألوان شتى ويرفعان عليها أعلاماً شتى في خبث ومكر وتورية . إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة ، ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلام المعركة .. لم يعلنوها حرباً باسم العقيدة _ على حقيقتها _ خوفاً من حماسة العقيدة وجيشانها . إنما أعلنوها باسم الأرض والاقتصاد والسياسة ، والمراكز العسكرية .. وما إليها .. بينما هم في قرارة نفوسهم .. الصهيونية العالمية والصليبية العالمية _ بإضافة الشيوعية العالمية _ جميعاً يخوضون المعركة أولاً وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلاً فأدمتهم جميعاً ) وهذا ما نراه اليوم وفي كل يوم ... ولكن لا تحزن يا أخا التوحيد واصدح بصوتك عالياً .. وقل لهم "إن هدى الله هو الهدى" وما عداه فهو الباطل والتيه والضلال .. قل لهم بصوتٍ هادرٍ مزلزل {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد . وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ . وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } على المؤمنين المجاهدين أن يعووا حجم المشكلات ، وحقيقة التحديات وأن المسلم لا ينال ما يناله من عزةٍ ورفعةٍ واحترامٍ إلا بتمسكه بدينه والثبات على توحيده ويقينه ... وعليه فواجبنا الإخلاص لله وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه ونصرته وما أعظم من التمسك بسنته واقتفاء أثره وسيرته نصرةً وهو الدليل القاطع على محبته صلى الله عليه وسلم التي تؤدي على الخير والنور والفلاح والسرور ...
علينا أن نكون الملتزمين بأمر الله .. الحاملين لدين الله .. العادلين في هذه الحياة .. يقول شيخ الإسلام ( إن الله يقيم دولة العدل وإن كانت كافرة ، ولا يقيم دولة الظلم وإن كانت مسلمة ) .. يقيم الدولة التي لا فرق فيها بين عربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى .. الدولة التي تعرف للأفاضل فضلهم ، ولا تضيع الأمانة بتوسيد الأمر فيها لغير أهله .. الله معنا ولن يترنا أعمالنا ... ما دمنا على الحق ظاهرين .. ولديننا ناصرين صادقين في وحدتنا .. صخوراً متينة في جدار عقيدتنا .. فهو سبحانه } يحب الذين يقاتلون في سبيله كأنهم بنيان مرصوص { .. ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول ( الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ) .. هذا بلاغنا .. اللهم فاشهد .....

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
* * *
الشرط الثاني / الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...

قال تعالى { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} . اعلم هداك الله أننا إذ نخاطب طليعة نرجو ظهورها. طليعة ترفض المنكرات وتدعو إلى الخيرات. فإننا طرحنا هذا الفصل كشرط من شروط دعوتنا الطليعية السلفية المجاهدة .. فالمعنى والهدف أن أخانا المجاهد عوَّد نفسه الصبر والثبات، وأن حب الخير ورفض الشر سمة أصيلة بداخله، سعى إليها بإيمان وقناعة ومارسها بقوة وشجاعة. وفيه الدليل الصادق على الولاء والبراء .. يقول تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .
والمعروف هو كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات القولية والفعلية الظاهرة والباطنة.
والمنكر هو كل ما أنكره الشرع ومنعه من أنواع المعاصي من الكفر والفسوق والعصيان.
واعلم أن الدين عزيز لا يحمله إلا صابر محتسب لا يبلغه إلا آمر بالمعروف ناهي عن المنكر بفطرةٍ سليمة وسليقةٍ قويمة. مطبق لشرع الله في الأرض بعزمٍ ويقين. والأمر والنهي هو سياج ديننا وبه تحفظ الشريعة وعليه مدار الأجر والثواب وهو الذي ميّز هذه الأمة وأعطاها الخيرية التي تنتفي عنها بانتفائه. ولو عُدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعم الشرور والفتن، وينتشر الفساد والمحن، وتطمس السنن وترتفع رايات البدع.
واعلم أخا التوحيد أن الأمر والنهي هو المهم الذي أرسل الله من أجله الرسل وفي تعطيله فساد الأرض وهلاك الحرث والنسل. يقول صاحب الإحياء (ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد ) 194
واعلم أخانا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإذا لم يقم به أحدٍ أثم الجميع ولكنه مع هذا يسير في دائرة متكاملة تشمل المجتمع كله فكل فرد من الأمة مكلف بالأمر والنهي فيما يقدر عليه ويترك ما هو خارج عن استطاعته فما عجز عنه هو لم يطالب به ولكنه في الوقت نفسه يحث القادر على الأمر والنهي في المجال الذي عجز عنه وأمكن للقادر أن يؤديه فيه.
وبهذا يتضح أن الدعوة إلى الله بما فيها من أمر ونهي واجبة على كل مسلم مهما كان مركزه حاكماً أو محكوماً، عالماً أو متعلماً، بل كل جماعة مسلمة مهما يكن وضعها من التمكن أن يقوم كل فرد فيها بأداء الأمر والنهي حسب استطاعته وأن يحث الآخرين القادرين على سد العجز في المكان الذي لم يستطع هو الأمر والنهي فيه.
وعلينا أن نبدأ بأنفسنا وبأسرنا من زوجات وأولاد وإخوان وأخوات حتى ننتهي بالمجتمعات والشعوب بإذن الله. وحتى ندخل في عداد المؤمنين الموصوفين من الله بأنهم {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ } .
واعلم رعاك الله أن الأمر والنهي هما عين الدعوة لأن الدعوة نفسها أمر بمعروف أو نهي عن منكر. يقول ابن تيمية رحمه الله (وقد تبين أن الدعوة نفسها أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، فإن الداعي طالبٌ مستدعٍ ومقتضٍ لما دعي إليه وذلك هو الأمر به إذ الأمر هو طلب الفعل المأمور به واستدعاء له ودعاء إليه، فالدعاء إلى الله الدعاء إلى سبيله، فهو أمر بسبيله، وسبيله تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر به ) .
واعلم أن الأمر والنهي من الصفات المميزة لأتباع المرسلين وورثة النبيين، فأبشر أخا التوحيد أبشر فأنت بإذن الله ممن (يخلفونهم على منهاجهم وطريقتهم من نصيحتهم للأمة وإرشادهم الضال وتعليمهم الجاهل ونصرهم المظلوم وأخذهم على يد الظالم، وأمرهم بالمعروف وفعله ونهيهم عن المنكر وتركه، والدعوة إلى الله بالحكمة للمستجيبين والموعظة الحسنة للمعرضين الغافلين، والجدال بالتي هي أحسن للمعاندين المعارضين فهذه حال أتباع المسلمين وورثة النبيين ) .
وأعلم هداك الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قام بالدعوة إلى الله أيّما قيام فأمر الخلق بكل معروف من أمر الله ونهاهم من كل منكرٍ من نهي الله فكانت الدعوة بذلك واجباً تلزم المستطيع إياها. وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية (لا تتم الدعوة إلى الله إلا بالدعوة إلى أن يفعل ما أحبه الله ويترك ما أبغضه الله سواء كان من الأقوال أو الأعمال الباطنة أو الظاهرة، إذا تبين ذلك فالدعوة إلى الله واجبة على كل من اتبعه وهم أمته يدعون إلى الله كما دعا إلى الله )
وأعلم أن أنواعاً من الأمر وأنواعاً من النهي لا تقام إلا بواسطة سلطة تملك الأمر والنهي كالجهاد لإعلاء كلمة الله وهو رأس الأمر والنهي أو تحكيم شرع الله في جميع المجالات ولذلك ينبغي على المسلم أن يتعاون مع جماعة مسلمة ربانية للقيام بهذا الواجب العظيم _واجب إقامة السلطة المسلمة _ لأن الذي لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وكل الواجبات لا تتم إلا بتمام هذا الواجب العظيم. والله تعالى يقول {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } . يقول سيد قطب رحمه الله (فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته. فهناك « دعوة » إلى الخير. ولكن هناك كذلك « أمر » بالمعروف. وهناك « نهي » عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن « الأمر والنهي » لا يقوم بهما إلا ذو سلطان ..هذا هو تصور الإسلام للمسألة ، أنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى ، سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر .. )
وعليه فينبغي العمل الحثيث من أجل إقامة هذا السلطان وبذلك يسقط عنك إثم التخلف عن إزالة المنكر بمجرد السعي لإقامة التمكين لدين الله في الأرض وقد ذكرنا أن بعض ما يتغير باليد والقوة قد يعجز عنه الفرد فتقوم به الجماعة وقد لا يقدر عليه المحكوم فيقوم به الحاكم وقد لا يندفع إلا بالتمكين في الأرض. فأسرعوا أيها الموحدون لمرضاة ربٍ ونصرة دين.
واعلم أيها المجاهد أن الأمر والنهي ينبغي أن يكون ديدنك وشعارك في هذه الحياة، ومن المعلوم أن إنكار المنكر بالقلب هو أساس الإنكار وأن ما يكون من إنكارٍ بالقول أو اليد إنما يكون مسبوقاً بإنكارٍ بالقلب لأن المنكر يتعارض تلقائياً مع الفطرة السليمة العالمة .. وعليه فلا بد أن يكون الإنكار بالقلب قاعدة عند كل مسلم ومن لم يفعل فليس بمؤمنٍ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام .. لأن الإنكار بالقلب لا ضرر فيه وفي فعله وهو واجب في كل حال وقد قيل لابن مسعود رضي الله عنه : من ميِّتُ الأحياء؟ قال (الذي لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً ) أي بقلبه. وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان. فمن لم يقم به فليس بمؤمنٍ وآثم قلبه. وهذه المصيبة العظمى التي وقع فيها الناس في هذا الزمان من استمراء المنكرات التي عكف عليها المفسدون وعملوا على نشرها حتى أصبحت عندهم أشياء طبيعية وما خالفها فهو الغريب والشاذ ولم تنكر حتى بالقلوب والعياذ بالله. وعلى كل حال فتغيير المنكر وإنكاره بالقلب واجب على كل مسلم في كل حين.
واعلم أن لكل عمل شروط تقيده حتى لا يخرج عن نطاقه الصحيح وهدفه المنشود، وكذلك إزالة المنكر فإن لها شروط لا بد منها مبنية على قاعدة تحقق المصلحة الشرعية التي من أجلها شرع الأمر والنهي .. إذْ لا بد من تحقق الإنكار بشروطه حتى لا يجلب المفسدة الكبرى وتفوت معه المصلحة الفضلى. والشروط هي ...
1- كونه منكراً .. والمنكر أعم من المعصية فلا يختص النهي بالكبائر بل ينهى حتى عن الصغائر إن أمكن.
2- أن يكون موجوداً في الحال فلا يجوز الإساءة للمسلم بالظن.
3- أن يكون ظاهراً دون تجسس عليه إذ نهى الشارع عن تتبع زلات المسلمين. والتجسس معصية أشد.
4- أن يكون المنكر معلوماً بغير اجتهاد، فلا إنكار على من عمل عملاً باجتهاد يعتقد أنه الصواب ولا تنكر الآراء المختلف فيها بحجة شرعية.
5- أن يعلم صاحب المنكر ابتداءً أن هذا منكر. فلا يُنهى من كان كافراً إذ لا بد من دعوته للإيمان أولاً. فالكفر أكبر من كل منكر.
6- أن يتم وفق مراتبه. فيكون البدء بالنهي "بالوعظ والنصح والتخويف" ثم "التعنيف بالقول الغليظ" ثم "زيادة الإنكار حسب القدرة والإمكان " حتى الوصول إلى التغيير باليد بشروطه المذكورة سابقاً .
ولقد ذكر العلماء شروطاً عامة ينبغي توفرها في الناهي عن المنكر هي النية، والورع أي القدوة، والاستطاعة وذكروا كذلك شروطاً خاصة ثلاثة هي العلم والرفق والصبر .. يقول ابن تيمية رحمه الله عن الشروط الخاصة (فلا بد من هذه الثلاثة .. العلم والرفق والصبر، العلم قبل الأمر والنهي والرفق معه والصبر بعده، وإن كان كل من هذه الثلاثة لا بد أن يكون مستصحباً في هذه الأحوال، وهذا كما جاء في الأثر من بعض السلف .. لا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر إلاَّ من كان فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهي عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهي عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهي عنه ) .
فاحرص أخانا أن تتصف بهذه الصفات التي جعلها العلماء شروطاً ملازمة لكل من يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

• قاعدة جلب المصلحة الشرعية ...

اعلم أن مبنى الشريعة الإسلامية على جلب المصالح ودرء المفاسد ولكن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وكل ما خرج من المصلحة إلى مفسدة فهو من الفساد الذي نهى الشارع عنه والله سبحانه لا يحب الفساد، والمصلحة وهذه نقطة هامّة لا تقرر بفائدة الفرد من العمل وإنما تتحدَّد بميزان الشرع .. يقول ابن تيمية: (وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح فيها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهي _وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة _ فينظر في المعارض له ، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أعظم من مصلحته )
أما إذا اجتمع معروف ومنكر عند شخص أو طائفة ينظر فإذا كان المعروف أكثر أمر به وإن كان المنكر أكثر نهى عنه .. قال شيخ الإسلام رحمه الله (إذا كان الشخص والطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما. بل إما أن يفعلوهما جميعاً أو يتركوهما جميعاً لم يجز أن يأمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر فإذا كان المعروف أكثر أمر به وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكرٍ يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذٍ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات ... وإن كان المنكر أغلب نهى عنه وإن استلزم ما هو دونه من المعروف ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمراً بمنكر وسعياً في معصية الله ورسوله )
وينبغي عليك أن تعرف القاعدة الأساسية في موضوعة الأمر والنهي. فبالموازنة بين المصالح والمفاسد وتقديم أعرف المعروفين وإنكار أنكر المنكرين والأخذ بأهون الضررين تتحقق الغاية التي من أجلها شُرع الأمر والنهي ..
ومن القواعد الفرعية تقديم المصالح القطعية على المصالح الظنية. وتقديم مصالح الجماعة المؤمنة على المصالح الفردية. ودفع المخاطر الواقعة مقدم على دفع المخاطر المحتملة. وحفظ مقاصد الدين مقدم على حفظ مقاصد الدنيا. والضروريات مقدمة على الحاجيات والتحسينيات .وينبغي على المجاهد أن يعلم المعروف والمنكر ويميز بينهما. ولا بد أن يعلم حال المأمور وحال المنهي وهذا ظاهر فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام وأنت خبير بذلك. فمن الأفضل بل الواجب أن تأتي بالأمر والنهي على الصراط المستقيم لأنه أقرب الطرق إلى حصول المقصود وهو يحتاج إلى العلم به وبتفاصيله .
أما بالنسبة لإستعمال السلاح في الإنكار فقد قيده ابن الجوزي رحمه الله بإذن الإمام وذلك للأفراد المجتمعين يقول: (الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه إشهار السلاح أو السيف يجوز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة، فإن احتاج إلى أعوان يشهرون السلاح لكونه لا يقدر على الإنكار بنفسه، فالصحيح أن ذلك يحتاج إلى إذن الإمام لأنه يؤدي إلى الفتن وهيجان السلاح ) . وقد رجح علماؤنا المنع من إستعمال السلاح في هذه الحالة إلا إذا كان هناك ضرورة شرعية ملحَّة خاصة مع غياب الخلافة اليوم وانتشار الفساد الذي يقوم عليه ويرعاه من لهم شوكة وقوة .. لكننا نؤكد على القضية الأهم وهي وجوب العمل على إقامة التمكين الذي لا تتم هذه الواجبات كلها إلَّا به .. والله المستعان وهو الموفق للخير سبحانه.
على أن هناك حالات يستعمل فيها السلاح لإنكار المنكر دون إذنٍ أو غيره كحالة شروع في منكر لا يمكن تداركه وذلَك قتل رجل يحاول الإعتداء على امرأة فلنا دفعه بالتدريج. فإن استعمل هذا الفاسق سلاحاً لإرتكاب جريمته فلنا أن نستعمل السلاح لدفعه عن المنكر بالقوة ولا حاجة هنا لإذن الدولة لأن المنكر على وشك الوقوع ومحاولة تبليغ السلطات لإستصدار الإذن بالدفع بالقوة عن هذا المنكر المشارف يفوت معه المقصود ويقع المحذور. يقول الغزالي في هذه الحالة لمن رأى منكراً كهذا: (فيأخذ قوسه ويقول له: خلِّ عنها أو لأرمينّك. فإن لم يخل عنها فله أن يرمي وينبغي ألا يقصد القتل بل الساق والفخذ وما أشبهه فكل ذلك دفع للمنكر ودفعه واجب بكل ممكن ) ومعلوم أن الدفاع عن امرأةٍ يُراد الاعتداء عليها هو دفاع عن حرمات الدين. وإن قُتل المنكِر فهو شهيد لقول النبي عليه الصلاة والسلام (ومن قتل دون دينه فهو شهيد ) .
أما إذا تم إبلاغ الهيئات المختصة في الدولة لتقوم بواجبها في إزالة منكر كمحل لبيع الخمور أو نادٍ للقمار أو ملهى للرقص والفساد مما يحتاج إلى قوة السلاح ثم قصَّر المسؤولون في الدولة في إزالة هذا المنكر _كما يحصل اليوم _ إما بقوة الدولة أو بإصدار إذن للمنكرين أن يزيلوا هذا المنكر بالقوة يشرع فوراً في هذه الحالة في سحب بساط الشرعية من تحت الحاكم لعجزه عن رعاية الشؤون على حسب أحكام الشرع. لأنه من المعلوم أن الحاكم العاجز عن إقامة حدود الله والضرب على أيدي المفسدين يكون قد أخل بشرط من شروط منحة انعقاد السلطة له ابتداءً واستمراراً بعد ذلك. فما بالكم بحكامٍ ظلمةٍ لم يخلوا بشرط فحسب بل استبدلوا الشريعة وأحكامها بدساتير وضعية تشجع الكفر والفساد نُقلت عن دساتير الكفار وقوانينهم وكلها مخالفات للشرع والعياذ بالله. يقول تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } ومنهم من طبق بعض أحكام الشرع في بعض المجالات وتبنى غيرها في المجالات الأخرى والله تعالى يقول {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ } . ومنهم من يوالي الدول الكافرة في الاعتداء على المسلمين والموحدين والله يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ } ومن يتولى الكافرين فهو كافر مثلهم .
واعلم أخا التوحيد أن هناك فرقاً كبيراً بين مخالفة الشرعية في أحد الشروط وبين إهدارها بالكلية والعياذ بالله. ولكني لا أحبذ المباشرة في الجهاد ضد هؤلاء الحكام المرتدين قبل أن تكون الدعوة جاهزةً في كافة الجوانب وخاصة الجانب الأمني والعسكري منها وباقي جوانب القوة التي تضمن السيطرة السريعة على الأمور والاستلام الدقيق للمرافق المختلفة. وإلا فربما يحدث مفسدة أعظم من الدماء والشرور والفتن ولربما يضعف هذا من قوة الدعوة بعد ذلك أو يُقضى على البقية الصالحة وتتم سيطرة الحاكم الكافر. والأمثلة على ذلك في واقعنا المعاصر كثيرة.

• أحكام إنكار المنكر على اختلاف الأحوال ...

نختم إن شاء الله هذا الفصل بهذا النص من كتاب "الياقوت والمرجان" والجامع لأحكام إنكار المنكر على اختلاف الأحوال. يقول الشيخ عبد اللطيف آل موسى (الأصل في إنكار المنكر أنه فرض كفاية، إذا قام به البعض بحيث يتحقق المقصود سقط الطلب عن الباقين بدليل قوله {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } . هذا ويصبح تغيير المنكر فرض عين على من يشاهد المنكر من القادرين على إزالته بشرط ألا يخافوا من الاعتداء على حرماتهم الخاصة وألا يترتب على إنكارهم مفسدة أكبر من مفسدة المنكر الواقع أمامهم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من رجلٍ يكون في قوم يعمل فيهم المعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقابٍ قبل أن يموتوا ) . وأما إذا لم يترتب على الإنكار وقوع مفاسد من منكرات أخرى تضاف للمنكر الواقع، ولكن ترتب على هذا الإنكار إيقاع الأذى والضرر على أشخاص المنكرين كما هي عادة أصحاب الفسق والفجور بقصد التشفي من المصلحين أو ردعهم عن القيام بواجب الإنكار، وزجر غيرهم عن السير في الطريق نفسه ليخلو الجو في البلاد للانحراف والمنحرفين. أقول.. إذا ترتب إيقاع الأذى على أشخاص المنكرين فحسب دون أن يتعداهم إلى غيرهم من أقارب وأصحاب ومواطنين آخرين فإن الإنكار في هذه الحالة يكون مندوباً. وإذا راحوا ضحية هذا الإنكار فهم من شهداء الآخرة وينطبق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم (ومن قتل دون دينه فهو شهيد ) فإثبات الشهادة لمن يقتل وهو يقوم بالإنكار من أجل الدين دليل على مشروعية العمل الذي يقوم به ومثوبته عند الله، وأما إذا ترتب على إنكار المنكر إيقاع الأذى البليغ على المنكرين وعلى غيرهم من أقارب وأصحاب ومواطنين آخرين، فإذا كان الآخرون الذين سيقع عليهم الضرر راضين بوقوع هذا الضرر وفدوا دينهم بأنفسهم أو بمصالحهم فالإنكار حينئذٍ مندوب وإذا وصل الضرر إلى حد القتل فهم من شهداء الآخرة وينطبق عليهم الحديث السابق. وأما إذا لم يرضوا بإيقاع الضرر عليهم من جراء إنكار المنكر فحينئذٍ يحرم الإنكار لأن إيذاء المسلمين محذور ) ... وصلَّى الله وسلم على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
l3wine

avatar

عدد الرسائل : 50
نقاط : 3056
تاريخ التسجيل : 21/10/2010

مُساهمةموضوع: رد   2010-11-06, 18:03


المبادىء الأساسية للدعوة الجهادية

الباب الثالث

} الواجبات {

ويشتمل على فصلين:

الفصل الأول/ التبليغ
الفصل الثاني/ السمع والطاعة في غير معصية

المبادىء الأساسية للدعوة الجهادية

الباب الثالث

} الواجبات {

وهي المهام الملقاة على عاتق الداعية لتنفيذها وتطبيقها .. وفي الواقع فالواجبات الملقاة على عاتق المجاهد كثيرة، ولكننا سنذكر أهم هذه الواجبات بإذن الله ...

الواجب الأول: التبليغ ...

وهو حمل الرسالة للعالمين والسير في ذلك على خطى الصادق الأمين .. والتضحية في سبيلها وعدم التهاون فيها .. لأنها أمانة عظيمة ينبغي على كل مسلم علمها وألا يظلم نفسه بتركها كما قال تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } واعلم أخا التوحيد أن الله تعالى فرض علينا حمل مواريث النبوة والقيام بأعباء الرسالة وقيادة الناس وتوجيههم إلى الحق والخير .. حتى تعلو إنسانيتهم ويحققوا كل فلاح ورشاد .. وهدى وسداد، وبهذا وحده لا بغيره نلنا أيها الموحد الخيرية والأفضلية على سائر الأمم .. واسمع إلى كلام الله مولاك {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } واعلم أن هذه الخيرية والأفضلية تنتفي عن أمتنا بانتفاء الأمر والنهي والدعوة إلى الله وإلا فالقيد الباقي هو الدعوة والتبليغ الذي إذا ما وجد يرحم الله الأمة ويزيل عنها الغمة ويجمع شملها ويصلح ذات بينها ويدفع عنها المفاسد والشرور والفتن، وهو وعدٌ من الله خالد .. بالرحمة والتمكين والنصر المبين واعلم أن الله تعالى ينصر عباده المؤمنين عند اكتمال الشروط وتحقيقها من أمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر وإقامةٍ للصلاة وإيتاءٍ للزكاة وطاعة الله ورسوله في كل أمر .. والرابط والضابط هو الولاء الكامل بين أفراد هذه الأمة في تحقيق هذه الشروط .. وبذلك نكون قد مضينا على سبيل الله الذي رسمه لنا من الإستخلاف والإعمار والتمكين .. وليس لنا غاية إلا مرضاة الله مولانا الذي وعدنا بالنصر إن ثبتنا والتزمنا .. فقال سبحانه {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} هذا ما نسعى إليه ونعمل لتحقيقه على بينةٍ من الله حتى ننشر دينه بين الناس وسبيلنا الصدع بالحق أينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم .. لأن الصدع بالحق أيها المجاهد لا يقدم أجلاً ولا ينقص رزقاً والسكوت عن قول الحق جهاراً، عيبٌ عظيم وسفه جسيم فهذا نبيك وقائدك يحذرك واسمع لقوله ... (لا يحقرنَّ أحدكم نفسه، فقالوا .. وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أن عليه مقالاً ثم لا يقول فيه .. فيقول الله عز وجل يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذل وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول الله جل وعلا: فإياي كنت أحق أن تخشى ) فاللهم إياك نخشى ولا صبر لنا على نارك ونعلم أن عذابك الجد بالكفار ملحق. فثبتنا على دينك واجعل لنا نصيباً في نصره والذَّب عن حياضه ونعوذ بعزتك أن نكون شياطيناً خرساً .. إنك سميع مجيب ..
وهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يبايع أصحابه على العبادة وعلى الجهاد كما يبايعهم على القيام بهذا الواجب سواءً بسواء فعن جرير قال (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم ) وقال أبو ذر رضي الله عنه (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصالٍ من الخير ... أوصاني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مُراً ) وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه .. (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول الحق أينما كنا وألا نخاف في الله لومة لائم ) فسارع أخانا فإنك على الحق المبين.. اجهر به جهراً واصدع بالتوحيد وتبرأ من الشرك والتنديد .. ولك في رسول الله أسوة حسنة إن كنت ترجو الله واليوم الآخر .. ونحسبك من الذين يريدون الخير والهدى للناس جميعاً بعيداً عن أي تعصبٍ أعمى لجنسٍ أو لون أو جماعة .. ونحسبك حريصاً على تبليغ الحق لهؤلاء الناس جميعاً .. وهذا نبيك .. يأمرك ويأمرنا (بلِّغوا عني ولو آية ) فهذا أمر قد اقتضى علينا الوجوب .. علمنا .. عبدنا .. ولم نبلِّغ .. إذاً فنحن خاسرون .. والربح كل الربح في اتباع الدين العظيم وحمله للعالمين وتبصيرهم به على أساسٍ من الإخلاص والصواب وكن أخا التوحيد على يقينٍ جازم بانتصار دينك .. ومهما يكن للباطل من صولات وجولات فاعلم يقيناً أن الصولة الأخيرة والجولة النهائية للإسلام حتماً وإنا لصادقون ...
واعلم أخا التوحيد أن أول ما تدعو إليه وتجهر به وتضحي من أجله هو التوحيد والبراءة في المقابل من كل شرك وتنديد حتى تكون من الذين لربهم باعوا النفوسا ... الباسمين إلى الردى والسيف يرمقهم عبوسا ...
الناصبين صدورهم من دون دعوتهم تروسا ..
وهذا النبي القائد صدع بالآيات التى تدعو إلى توحيد الله تعالى وتسفيه أحلام قريش وآلهتهم وأربابهم والآيات التى تتعرض لأبي لهب والوليد وغيرهما .. وآيات البراءة منهم ومن معبوداتهم .. فماذا حدث له في سبيل هذا الحق ؟. لقد أوذي أذىً كبيراً ووضع سلى الجزور على رأسه وهو ساجد وحصل له ما حصل مما هو مبسوط ومذكور في الثابت من السيرة .. يقول الشيخ حمد بن عتيق في رسالة له في الدرر السنية (فليتأمل العاقل وليبحث الناصح لنفسه عن السبب الحامل لقريش على إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة وهي أشرف البقاع، فإن المعلوم أنهم ما أخرجوهم إلا بعد ما صرحوا لهم بعيب دينهم وضلال آبائهم فأرادوا منه صلى الله عليه وسلم الكف عن ذلك وتوعدوه وأصحابه بالإخراج، وشكا إليه أصحابه شدة أذى المشركين لهم فأمرهم بالصبر والتأسي بمن كان قبلهم ممن أوذي. ولم يقل لهم اتركوا عيب دين المشركين وتسفيه أحلامهم، فاختار الخروج بأصحابه ومفارقة الأوطان مع أنها أشرف بقعة على وجه الأرض { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } .
قد سقنا ما تقدم حتى يكون المجاهد على بينةٍ من دينه لا يخاف اللائمين .. والمشركون اليوم أقسام وطوائف وكل طائفة من طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوع من أنواعه. فينبغي على الموحد المظهر لدينه أن يصرح لكل طائفة بما عندها من كفر حتى يكون من المفلحين الذين أدُّوا ما عليهم من أمانة. واعلم أخانا أن الكفر بالطواغيت كلها واجب على كل مسلم بشطر شهادة الإسلام. فلا بد للمجاهدين اليوم التأسي بنبيهم في تسفيه الطواغيت وكشف مناهجهم الباطلة وعداوتهم ودعوة الناس إلى ذلك حتى يظهر الحق ويعرف الناس دينهم ويفرقوا بين العدو والولي وإلَّا فمتى يكون ذلك على الأقل طائفة من كل جماعة تصدع بهذا الركن ويكون شعاراً لها تأسياً بنبيها الذي كان يشار إليه بالأصابع ويُحذَّر منه وكانوا يصفونه بالذي (فرَّق بين الناس ) .
وإننا لنعجب من دعاةٍ يريدون إظهار الدين ويبكون على مصلحة الدعوة. وأكثرهم يلهج بمدح القانون الوضعي ويشهد بنزاهته ومنهم من يُقسم على احترامه والالتزام ببنوده وحدوده ويدخلون تحت قبته والولاء له. يقسمون على كتاب الله أن يعملوا بغير ما أنزل الله. فلا حول ولا قوة إلا بالله. وإليه المشتكى ...

قوم تراهم مهطعين لمجلسٍ فيه الشقاء وكل كفرٍ دانِ
بل فيه قانون النصارى حاكماً من دون نصٍ جاء في القرآنِ
تباً لكم من معشرٍ قد أُشربوا حب الخلاف ورشوة السلطانِ

فالزم أخانا سبيل المؤمنين واجعل نبيك قدوتك وكن نعم الواعظ والناصح لكل مسلم {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .
ونريد أن نوضح لك شيئاً هاماً في هذا الإطار عليك أن تعيه جيداً في دعوتك وتبليغك .. ألاَّ تربط بين العمل والنتيجة إلا بمقدار ما تحسه من قبول ورضا لله تبارك وتعالى .. فالغاية العظمى هي إرضاء المولى سبحانه. فلا تطرب لرضا الناس عنك أو سخطهم عليك. و إنما لك في حياة الداعية الأول المثل والقدوة حيث يقول (اللهم إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي ). واعلم أن الله قد أقام لدرب دعوتك حجة عظيمة نيرة ومبادىء قويمة خيّرة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها .. وجعل لكل عملٍ إسلامي قيوداً عقدّية حتى لا يزل أو يضل.
فاحرص على ناحيتين ..
أولاً.. وضوح الغاية في أعماقك. فلا يزيغ بك هوى أو تنحرف لك رغبة وتمثل في كل جهدٍ وجهادٍ واجتهاد قول الله مولاك {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }
ثانياً .. سلامة الوسيلة ومشروعيتها وموافقتها لروح الإسلام. حتى لا نصيب الذنوب من حيث أردنا الثواب. واعلم أن القاعدة التي تقول بتبرير الوسائل من أجل الغايات ليست من دينك. فالحذر الحذر. واللجا اللجا. إلى حصن الدين الحصين. وشرع الله المبين. واعلم أن الناس المدعوين أقسام لكل قسم منهم أسلوب خاص ينبغي مراعاته أثناء دعوتك وتبليغك فالعلماء يدعون إلى الله بالحكمة والحجة التي لا يملك العقل معها إلاَّ الانقياد والتسليم. والعامة يدعون إلى الله بالموعظة التي فيها الترغيب في الجنة والحث على ما يوصل إليها من الخيرات والترهيب من النار ومما يوصل إليها من المنكرات والمضي في هذا السبيل بالمثال الحسن والمنطق البسيط حتى تشفى نفوس العامة وتهدى إلى سواء الصراط.
والمجادلون المعاندون تواجه أفكارهم بالأفكار النيرة والحجج الداحضة. والجدل معهم يكون حسناً مبناه المنطق السليم وابتغاء الوصول إلى الحق المبين. وما ذكرنا والحمد لله هو معنى قول الله تعالى {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } . ونحن بإذن الله ندعو إلى الله مدفوعين بشعور الشفقة على الضالّين أن يستمروا في غيّهم وضلالهم. ولا نظهر العداوة والبراءة من العصاة والمسيئين من المسلمين ولا نقر أعين الطغاة بعكس ذلك. بل ندعو حتى المتكبرين والمتجبرين والظالمين إلى طاعة الله ورسوله بالحكمة والموعظة الحسنة ابتداءً، فان استجابوا فهم إخواننا نحبهم بقدر طاعتهم، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإلا فالإسلام بشارة ونذارة.
ونعلم أن الله تعالى عندما يوفق أيّا منا فيهيىء له من يقبل دعوته، فهذا فضل من الله وبركة ومن نتائجه المباركة ...
1- استنقاذ هذا المهتدي من النار وسعيرها وإنما كان ذلك بعد إرادة الله سبحانه بفضل جهدك أيها المجاهد.
2- كل حركة وخير وإحسان يفعله المهتدي في ميزانك أيها المجاهد كما قال صلى الله عليه وسلم (الدال على الخير كفاعله ) .
3- من يهتدي على أيدينا يكون عوناً لنا على نشر دعوتنا وتبليغ رسالتنا.
4- الهداية نصر مادي لا يتحقق بالسيف أو في معركة وإنما بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الأحسن .
5- من يهديه الله على يدك أيها المجاهد لبنة فكت من بناء الجاهلية ووضعت في بناء الإسلام وهذا خسارة للشيطان وأعوانه ونقض للكفر وأركانه.
ولكن عليك أن تعلم أيها المجاهد القاعدة الأهم بشطريها في هذا الإطار فالكثير من الناس اليوم يدندنون على نصوص الرفق واللين والتيسير ويأخذونها على إطلاقها ويحملونها على غير محلها ويضعونها في غير موضعها. فانتبه ! واسمع لما فيه النجاة والفكاك من سبل التلبيس والإشراك ...
فإننا ندعو الناس اليوم باللين والسماحة، والرفق والصراحة، ونستنفذ كل جهدٍ من أجل السداد والرشاد وما فيه خير للعباد. لكننا في الوقت نفسه نظهر العداوة والبراءة من كل من أبى واستكبر وأصر على غيّه وضلاله بعد أن كُلِّم بشتى أساليب اللين. سواء عن طريق الكتب والرسائل أو بالدعوة المباشرة من الدعاة. وبعد أن اتضحت له الحجة والطريق فسلك الطريق الآخر ووقف في الصف المعادي لدين الله المحارب لأولياء الرحمن. فاعلم أخانا أن مثل هذا الصنف من الناس أعداءٌ لك ظالمون، ينبغي الوقوف معهم موقف المفاصلة الكاملة، فلا مجاملة معهم ولا مهادنة. ولا التقاء في منتصف الطريق. فهذا وما تقدم هي لوازم طريقك. تمسك بها واحذرهم أن يفتنوك فتركن إليهم شيئاً قليلاً. { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } والركون هو الميل اليسير. قال ابن عباس (ولا تركنوا. أي ولا تميلوا ) يقول الشوكاني رحمه الله:- (وقد اختلف الأئمة من المفسرين في هذه الآية هل هي خاصة بالمشركين أو عامة ؟ فقيل خاصة وإن معنى الآية النهي عن الركون إلى المشركين وأنهم المرادون بالذين ظلموا وقيل إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافرٍ ومسلم وهذا هو الظاهر من الآية ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) .
يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، اجعلنا من عبادك الصالحين، الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم، وقوِّنا على ذلك، ويسره لنا، وأعنَّا عليه .. قال ابن مسعود رضي الله عنه. (جاهد الكفار والمنافقين ) قال: (بيده: فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليلقه بوجهٍ مكفهر أي عابس متغير من الغيظ والبغض ) .
ولا يضرك أخانا قول المرجفين وادعائهم الخوف على جماعة المسلمين من التفرق والضياع. بل الضياع في اختلاط الحق بالباطل وطغيان الفساد على الصلاح. وأبشر فإنك على الحق المبين فهذا نبيك صلى الله عليه وسلم قد جاء في وصفه أنه (فرق بين الناس ) . وهذا عبد الله بن مسعودٍ يقول (إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد فإنك حينئذٍ الجماعة وإن كنت وحدك. فالجماعة ما وافق الحق وإن كانت فرداً ) . فاصدع بالحق صدع الهصور. ودُرْ مع الحق حيثما يدور. ولا يهمك اعتداء المعتدين. ولا ظلم المبطلين. لأنك على الحق المبين. وعلامة هذا الحق ما قاله ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ) فلا تحسبن أن طريقنا مفروشة بالورود والمزاهر. بل هي واللهِ قد حُفت بالشوك والمخاطر ولكن ختامها روح وريحان. ورب راضٍ غير غضبان. ونحن لا نتمنى لك البلاء. ولكنها سنة الله في الابتلاء {وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } فاختر لنفسك خير رفيق. واصبر نفسك مع خير الفريق. والجهاد هو الطريق. روى الإمام أحمد أن أسعد بن زرارة وقف يوم العقبة يذكّر الأنصار بقوله (رويداً يا أهل يثرب. إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة. أو قتل خياركم وأن تعضكم السيوف. فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله. وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه. فبيّنوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله ) ولقد كانوا والله قوم صابرون صدقوا الله ورسوله وسجلوا هذا الصدق على صفحات التاريخ بمدادٍ من دماء. وتجلى صبرهم في بدر الفرقان وما تلاها من وقائع وهم الذين قال عنهم قائدهم وحامل لوائهم يوم بدر سعد بن معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم (فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن نتلقى بنا عدواً غداً. إنا لصُبرٌ في الحرب صُدَّقٌ في اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك فسِر بنا على بركة الله ) ولقد أراه الله تعالى منهم ما كان الإجابة العملية الصادقة على سؤال أسعد بن زرارة لهم يوم العقبة المباركة. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (وترك الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل المداهنة والمعاشرة ونحو ذلك مما يفعله بعض الجاهلين أعظم ضرراً وأكبر إثماً من تركه لمجرد الجهالة فإنهم رأوا أن المعيشة لا تحصل إلا بذلك فخالفوا الرسل وأتباعهم وخرجوا عن سبيلهم ومنهاجهم لأنهم يرون العقل إرضاء الناس على طبقاتهم ويسالمونهم ويستجلبون مودتهم ومحبتهم. وهذا مع أنه لا سبيل إليه فهو إيثار للحظوظ النفسانية والدعة ومسالمة الناس وترك المعاداة في الله وتحمل الأذى في ذاته وهذا في الحقيقة هو الهلكة في الآجلة فما ذاق طعم الإيمان من لم يوال في الله ويعاد فيه. والعقل كل العقل ما أوصل إلى رضا الله ورسوله وهذا يحصل بإيثار مرضاته والغضب إذا انتكهت محارمه. والغضب ينشأ من حياة القلب وغيرته وتعظيمه وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم وعدم الغضب والاشمئزاز وسوَّى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته فأيُّ خيرٍ يبقى في قلب كهذا ) أهـ بتصرف يسير.
واعلم أخا التوحيد أنه ينبغي عليك أن تظهر دوماً بمظهر الملتزم للسنة الممتثل لأمر الله مولاك وإياك أن يخالف قولك فعلك لأن هذا من أسباب نفور المدعوّين وفقدان الثقة من الآخرين. بل يجب أن تعامل الناس بخلقٍ حسن قويم حتى يحبك الآخرون. ويقتفى أثرك المدعوون. وأعلم أن أولى الدرجات في سلم استجلاب الناس وهدايتهم على الطاعات. أن يحبك الناس ويحترموك. فإنهم إن أحبوك اتبعوك في الفكرة والسلوك. واحرص ألَّا تفقد هذه الثلة بعد حين. بارتكابك شيئاً مما نهيت عنه أو بمخالفتك لشيء مما أمرت به. وتذكر عقاب الله يوم القيامة لمن كان كذلك. فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه ) وتندلق أقتاب بطنه: أي تخرج أمعاؤه.
واعلم أن كثيراً من الدعاة يفتقدوا الأساس القوي السليم الذي يؤسس المدعوين بناء عليه. إمّا لنقصٍ في العلم والمعرفة .. أو لخللٍ في فهم بعض العلوم والمسائل.
فاحرص أن تكون فقيهاً فيما تدعو إليه. فقيهاً فيما تنهى عنه. فقيهاً فيما تتبع من دين. ألا وإن الإسلام عظيم ولا يبلغه إلَّا صابرٌ على العلم والقلم والعلم بالتعلم كما الصبر بالتصبر وأنت خبير أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو العمل بما علمت جهاد في سبيل الله. بل هو أصل الجهاد وما الجهاد إلا فرع عنه فإن المقصود الأعظم من الدعوة والجهاد على حدٍ سواء هو هداية الخلق وردهم إلى الجادة وتوجيههم إلى عبادة الله خالقهم باعتقادٍ سليم على صراطٍ مستقيم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس من وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) وقال صلى الله عليه وسلم (الجهاد أربع ... الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في مواطن الصبر وشنئان الفاسق )
وحريٌ بنا في هذا المقام أن نحذر من العيوب والأمراض الخطيرة التي يعيشها المسلمون والتي ينبغي على المجاهد الحذر منها وأن يخافها على نفسه. ورأس هذه العيوب وأخطرها حب الدنيا وكراهية الموت ...
وهذا هو الوهن المشار إليه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم . وهو سبب تألب الأعداء علينا من كل حدبٍ وصوب دون أدنى خشية منهم لنا لأن الله قد نزع مهابتنا من صدورهم كما جاء في الحديث نفسه. ولأنهم يعلمون أننا آثرنا الدنيا وملذاتها على الصدع بالحق والتضحية في سبيله.
واعلم أخانا أن الدنيا عند السابقين كانت لا تساوي جناح بعوضة وهذا الذي جعلهم آساداً في فتوحاتهم لأنهم كانوا ينظرون إلى الدنيا من خلال قوله تعالى {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ومن خلال قول نبيهم صلى الله عليه وسلم (الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له) كانوا يعلمون أن الركون إلى الدنيا الزائلة وترك القتال من أجل إقامة الحق معناه الهلاك والفتن والمفاسد. ولذلك قال القرطبي في قوله تعالى { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } قال رحمه الله : (قال أبو عبيد: والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم أن تغلبون وتغنمون وتؤجرون ومن مات شهيداً وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تُغلبون وتُذلون ويذهب أمركم. قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا الفرار فاستولى العدو على البلاد، وأي البلاد، فقتل وأسر وسبى واسترق فإنا إليه راجعون ذلك فيما قدمت أيدينا وكسبته ) .
قلت: وهكذا كان ضياع فلسطين وما يحصل لأهلها اليوم ولغيرهم من المسلمين في شتى البقاع ما هو إلا نتيجة طبيعية لابتعادهم عن دينهم ونصرته وحبهم للدنيا وزينتها. ورحم الله علياً وهو يذم الدنيا ويحذر من عاقبة الحرص عليها حيث يقول:-
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت ... أن السلامة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ... إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنها ... وإن بناها بشرٍ خاب بانيها
أين الملوك التي كانت مسلطنة ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... وديارنا لخراب الدهر نبنيها
كم من مدائن في الآفاق قد بُنيت ... أمست خراباً وأفنى الموت أهليها
لا تركنن إلى الدنيا وما فيها ... فالموت لا شك يغنينا ويفنيها
واعمل لدارِ غدٍ رضوانُ خازنها ... والجار أحمد والرضوان ناشيها
قصورها ذهبٌ والمسك طينتها ... والزعفران حشيش نابت فيها

وهذه بلادنا أيها الموحدون لن تُسترد إلا بقرآن يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هادياً ونصيراً. إنه الشعار الخالد الذي انطلقنا منه في صياغة نظريتنا الجهادية المنسجمة تماماً مع هذا الدين الذي نسأل الله له الظهور فهو السلاح وهو العتاد وهو المحرر للضمائر والعقول .. إنه شعارنا وطرحنا الذي لطالما سعينا لإقراره وتطبيقه لنخرج بإذن الله من ربق التيه والانحراف الذي عانينا منه الكثير. فالسعيد من أسعده الله بدين قويم وفهم مستقيم لا يزيغ عنه ولا يشقى .. ألم تنظروا إلى قول الله تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } فلقد أنزل الله الكتاب الذي تشهد العقول الصحيحة بأنه حق وهدى ونور ليقوم الناس بالحق والعدل من اتباع للرسل وعمل بشرع الله . وخلق الله الحديد فيه بأس شديد أي رادع لمن أبى الحق وعانده ولم يعمل به بعد قيام الحجة عليه. ولهذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة بمكة بعد النبوة توحى إليه السور المكية وكلها جدال مع المشركين وإيضاح وتقرير للتوحيد فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن كذب بالقرآن وعانده . قال ابن القيم (وقد أمر الله بمجادلة الكفار بعد دعوتهم إقامة للحجة وإزاحة للعذر (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) والسيف إنما جاء منفذاً للحجة. مقوماً للمعاند. وحداً للجاحد. فدين الإسلام قام بالكتاب الهادي ونفذه السيف الماضي ) فاللهم إنك تعلم أننا نريد نصرك. ونصر رسولك ونصر دينك بالغيب دون أن نبصرك. وأنت يا الله غني عن عبادك لا تحتاج لأحد. ونعلم أنك شرعت الجهاد لتبلو الناس بعضهم ببعض. وهذه الأمة قد نكصت وها قد تقدمنا. فثبت الأقدام إن لاقينا. وأنزل سكينة علينا. وانصرنا على من عاداك وآذانا واستكبر وظلمنا. إنك ولي ذلك والقادر عليه. قلت وقولك الحق {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } عهداً أكيداً ولن نبدّل ... بإذن الله ولن نبدّل ...

فما هو إلا الوحي أو حد مرهف يقيم ضُباهُ أخدعي كل مائلِ
فهذا شفاء الداء من كل عاقل وهذا دواء الداء من كل جاهلِ

اعلموا هداكم الله أن حب الدنيا وكراهية الموت قاد إلى آفاتٍ عديدة وعللٍ شديدة منها ما نراه اليوم من ضعف الورع في سائر المجتمع. بشكلٍ واضح وإصرارٍ فاضح. فهاهم الناس اليوم قد غاب من حياتهم الوازع وما عادوا يستشعرون رقابة الله عليهم فخاضوا في محارمه ووقعوا في حقه وحق أنفسهم وغيرهم بالقول والعمل ونسوا قول الله مولاهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ثم قال ( لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن يكون طعامه ) وحب الدنيا وكراهية الموت جعل الكثيرين يخافون من الناس وعلى الحياة. في حين أن الرعيل الأول كانوا لا يخافون في الله لومة لائم ولا يخشون إلا الله بل كان الصحابة يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك رغم أن الظروف التي كانوا يعيشونها صعبة مريرة. فالدعوة إلى الحق ومحاربة الباطل هي جوهر دعوتنا ولا ينبغي التواني عنه خوفاً من المجتمعات أو الحكومات أو خوفاً من ذهاب دنيا أو سلطةٍ أو جاه فهذا كله ضعف في الإيمان وحرص على الدنيا وبعداً عن الله القائل {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } يقول سيد قطب رحمه الله (ونحن لا ندعو الناس إلى الإسلام لننال منهم أجراً. ولا نريد علواً في الأرض ولا فساداً. ولا نريد شيئاً خاصاً لأنفسنا إطلاقاً، وحسابنا وأجرنا ليس على الناس. إنما نحن ندعو الناس إلى الإسلام لأننا نريد لهم الخير .. مهما آذونا. لأن هذه هي طبيعة الداعية إلى الله، وهذه هي دوافعه. ومن ثم يجب أن يعلموا منا حقيقة الإسلام وحقيقة التكاليف التي سيطلبها إليهم. في مقابل الخير العميق الذي يحمله لهم. كما يجب أن يعرفوا رأينا في حقيقة ما هم عليه من الجاهلية ) ولقد كان بعض السلف يقول:- (كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه. فيقول له: مالك إليَّ وما بيني وبينك معرفة؟ فيقول: كنت تراني على الخطأ وعلى المنكر ولا تنهاني ) أهـ.

* * *

وبعدُ أيها المجاهد .. فاصدع بما تؤمر .. وبالتوحيد فاجهر .. واعلم أنك لن تقوى على التبليغ إلا بعبادة الله حق عبادته .. ولن تحتمل أعباء الدعوة العظيمة إلا بالزاد المعين من تلاوة القرآن وقيام الليل وخير الزاد التقوى وقد قال الله سبحانه {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً . نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} ثم أخبره أن هذه الأوامر منه سبحانه تمهيداً للتكليف العظيم حيث قال {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} فقام صلى الله عليه وسلم مع أصحابه حتى تفطرت أقدامهم إلى أن أنزل الله التخفيف في آخر الآيات ...
ولن يقوى على مشاقّ الدعوة وعقباتها إلا من تدبر كلام الله وأخلص العبادة لله وأطال الذكر والتسبيح. وبهذا الزاد فقط لا بغيره نواصل طريقنا الصحيح المستقيم ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة الباقية .. فهم ...
{يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ }
وكانوا {قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} و {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }
وإنهم {تتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً }
وحالهم أنهم يخافون من ربهم {يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً }
وغير ذلك من الصفات التي لا يصلح لهذه الدعوة إلا من اتصف بها. جعلنا الله وإياك منهم. فتنبه !

سبحان ربك رب العزة عما يصفون ...
وسلام على المرسلين ...
والحمد لله رب العالمين ...
* * * *
الواجب الثاني: السمع والطاعة في غير معصية

حتى لو أمِّر على الجماعة عبد حبشي كأن رأسه زبيبة .. ما دام طائعاً لله مطبقاً لحدوده وأوامره ونواهيه .. وإننا إذ نذكر هذا الواجب فإننا نركز على ضرورة إلتزامه لما فيه من انضباط وسلوك سليم في جميع الأحوال والظروف وهذا الواجب هو الأبرز في إظهار الجماعة منظمة قوية متماسكة يصعب زعزعتها أو اختراقها ... واعلم أن حقيقة الطاعة هي امتثال الأوامر والإستجابة للتعليمات والقوانين الصادرة من قيادة الجماعة إلى الأفراد الخاضعين لتلك القيادة وهذا من شأنه كما تقدم خلق الإنضباط والنظام والتماسك المطلوب لاستمرار الدعوة والجهاد ...
واعلم أخانا أن حكم الطاعة الشرعي هو الوجوب والأدلة في هذا الشأن كثيرة وحسبنا قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } والرد إلى الله ورسوله هو رد إلى كلام الله عز وجل وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم أي الكتاب والسنة .. ولكن من هم أولو الأمر ؟ قال ابن عباس (هم أهل الفقه والدين ) وقال مجاهد (هم العلماء ) وعن أبي هريرة (هم الأمراء ) وقال النووي (هم الولاة والأمراء ) وبين ذلك قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم وأورد رأياً بأنهم العلماء جاء ذلك في شرح صحيح مسلم.
قال ابن كثير رحمه الله (والظاهر أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء ) وقال صاحب تفسير المنار .. (أولو الأمر هم جماعة أهل الحل والعقد وهم الأمراء والحكماء والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع الناس إليهم في الحاجات والمصالح على ثقة الأمة ورضاها لما عرفوا به من التقوى والعدالة والاستقامة والإخلاص وحسن الرأي والحرص على مصالح الأمة ) أهـ.
قال الدكتور عمر عبد الرحمن (المراد من أولي الأمر هو الحاكم المؤمن المطيع لله والرسول الملتزم بشريعته فلا بد أن يكون أولو الأمر هم جماعة الإيمان والإستقامة والتقوى لأن ولاية الأمر خلافة ونيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين فمن البديهي أن تودع هذه الأمانة في يد من يؤمن بهذا الدين ويحرص على إقامة أحكامه وتطبيق شريعته )
وقد قال الله تعالى في الطاعة{ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } وهؤلاء الأصناف في الآية هم الذين نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الصراط المستقيم الذي ساروا عليه في سورة الفتح حتى نصل إلى الجنة بإذن الله... ولقد أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمراء العادلين فقال (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصيني فقد عسى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني ) ويقول صلى الله عليه وسلم (من أطاع أميري فقد أطاعني ) وقد نقل النووي الإجماع عن القاضي عياض وآخرين في وجوب الطاعة في المعروف فقال (أجمع العلماء على وجوبها في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية، نقل الإجماع هذا القاضي عياض وآخرون ) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (ولو استعمل عليكم عبدٌ يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا ) وفي رواية أخرى لمسلم (يا أيها الناس اتقوا الله وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي مجدَّع فاسمعوا وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله ) على أن المقصود من (استعمل وأُمِّر ) أي استعمله الإمام على القوة أو المنطقة أو
السرية وإلا فالإمامة لها شروط منها الحرية .. يقول النووي في معنى استعمل ( أي جُعل عاملاً بأن أُمِّر على إمارة عامة على البلد مثلاً أو وُلِّي منها ولاية خاصة، كالإمامة في الصلاة أو جباية الخراج أو مباشرة الحرب ) وربما يكون المراد به الإمام هنا على سبيل الفرض والتقدير وهو مبالغة في الأمر بالطاعة والنهي عن شقاقه ومخالفته. ويقول عبادة بن الصامت (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرةٍ علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول الحق أينما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم. وفي رواية. وعلى ألا ننازع الأمر أهله –إلاَّ أن تروا كفراً بواحاً -أي ظاهراً- عندكم من الله فيه برهان ) .
وروى الإمام أحمد عن جابر في بيعة العقبة الثانية التى كانت تمهيداً لإقامة دولة الإسلام في المدينة المنورة قال جابر: قلنا يا رسول الله علام نبايعك ؟ قال صلى الله عليه وسلم :
1. على السمع والطاعة في النشاط والكسل.
2. وعلى النفقة في اليسر والعسر.
3. وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
4. وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم.
5. وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم وتمنعوني مما تمنعون به أنفسكم وأزواجكم ولكم الجنة )
ولقد تحدثنا أخا الإسلام عن كل هذه النقاط الخمسة في أبواب المبحث نظراً لأهميتها الكبيرة في مسيرتنا العظيمة ..
واعلم هداك الله أن طاعة الأمير كما أنها واجبة فهي مقيدة بطاعة الله ورسوله .. ولقد رشد الإسلام قضية الطاعة أيما ترشيد كي يمنع النفوس المريضة أن تستغلها فتتمارى في غيِّها وظلمها وانحرافها فمنع من طاعة المخلوق أيا يكن في معصية الخالق سبحانه، وجعل طاعة هذا المخلوق فقط في المعروف إلا فلا سمع ولا طاعة فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إنما الطاعة في المعروف ) وقال ( لا طاعة في معصية ) وقال ( من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه ) وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) وقال صلى الله عليه وسلم ( طاعة الإمام حق على المرء المسلم ما لم يأمر بمعصية الله عز وجل، فإذا أمر بمعصية الله فلا طاعة له ) وقال صلى الله عليه وسلم ( من أمركم من الولاة بمعصية فلا تطيعوه ) وقال صلى الله عليه وسلم ( سيكون أمراء فيعرفون وينكرون، فمن كره بريء ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم ؟ قال: لا ما أقاموا الصلاة ) ..
قال الدكتور عمر عبد الرحمن ( وإقامة الصلاة كناية عن إقامة دين الله، واتباع منهج رسوله، والحكم بما أنزل الله والتحاكم إلى شريعة الله .. مع مراعاة حقيقة الإمامة وهي الإتيان بالصلاة كاملة الشروط والأركان والآداب، مستو فيه الفرائض والسنن والواجبات والمندوبات، ومن ذلك أداؤها في المسجد في جماعة عند كل صلاة، وأن يعرف ذلك عنه بين رعيته، فإن لم يفعل ذلك فلا طاعة له، بل أذن الشرع في قتاله حيث أنه لم يقم الصلاة، وواجبنا أن نقف عند الحديث وأن نفهم معنى إقامة الصلاة، إن الحاكم الذي يقيم الصلاة .. يسجد لربه إذعاناً له وخضوعاً لجلاله وعظمته والمفروض أن يستصحب روح السجود حتى تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فالعبرة من الصلاة هي نهي صاحبها
عن الفحشاء والمنكر وقد قال ابن عباس وابن مسعود والحسن: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً) .. ) . انتهي بتصرف يسير.
واعلم أخا التوحيد أن الأحاديث الواردة في الحث على السمع والطاعة في الأحوال المتقدمة هي في الأساس من أجل اجتماع كلمة المسلمين لأن الاختلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم والله تعالى يقول: { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }
واعلم كذلك أن الأصل في أمير الدعوة أن يكون أكثر الجماعة طاعة لله والتزاماً بالإسلام سواء في سلوكه الشخصي أو في تدبير الأمور الداخلية والخارجية التي تقوم الجماعة على أساسها والمعاصي تؤدي إلى كراهية الدعاة لأميرهم وكراهيته لهم كذلك مما يؤدي للتلاعن والتباغض بين الطرفين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم . ويجب على المجاهدين أن يعرفوا حدود الإسلام وأركانه وعقيدته حتى لا يطيعوا طاعة عمياء ويعصون الله وهم لا يدرون، فلقد هم المسلمون أن يدخلوا النار التي أوقدها أميرهم ولكنهم تراجعوا عن ذلك وتنازعوا أمرهم بينهم. فآية النساء المتقدمة نزلت في عبد الله بن حذيفة إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية فأمرهم عبد الله أن يوقدوا ناراً وأن يلقوا بأنفسهم فيها فتنازعوا في امتثال ما أمرهم به. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم شدد على المسألة بقوله (لو دخلتموها ما خرجتم منها. إنما الطاعة في المعروف ) وفي رواية (لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً. إنما الطاعة في المعروف ) .
واعلم أنه إذا وُجد من الأمراء من يخالف ويرتكب المعاصي فيجب تقديم النصح له فإن لم يستجب يُعمل على تبديله حتى تبقى الدعوة سليمة لامعة لا يعكرها شيء من تلك المعاصي والانحرافات. واعلم أخانا أن الطاعة المذمومة نوعان. نوع مكفر يخرج صاحبه من الملة ونوع دون ذلك لا يخرج صاحبه من الملة.
1- الطاعة المكفرة ... وهي الطاعة التى تتضمن التأليه للمخلوق. كأن ينظر أحدهم لمخلوقٍ – أياً تكن صفته ونوعه – أن له حق الطاعة على العباد لذاته ومكانته وأنه صاحب الأمر والنهي بغض النظر عن موافقته للحق في أمره ونهيه أم لا. وكذلك من الطاعة المكفرة طاعة الكفار والمشركين فيما هو كفر وشرك. مثل أن يأمروه بموالاتهم على المسلمين أو بتحليل ما حرمه الله وغيرها من الأمور المكفرة. فصاحب هذه الطاعة يكفر لوقوعه في الكفر والشرك وليس لمجرد الطاعة. إلا إذا اعتقد في المطاع أن له حق الطاعة لذاته فهذا كفر لمجرد الطاعة.
2- الطاعة غير المكفرة ... وهي لا تخرج صاحبها من الملة وإنما تكون دون ما تقدم وتوقع صاحبها في دائرة الفسوق والعصيان. كالطاعة فيما يعتبر من المعاصي والذنوب التي هي دون الكفر. ما لم يتبع هذه الطاعة استحلال لتلك الذنوب والمعاصي وتحسين لها فعندها تكون طاعة مكفرة.
واعلم أخا التوحيد أن السلطة في الإسلام كالسلطة في عقد البيع تعطيها الأمة للإمام بناء على عقد البيعة على أن يحكمها بكتاب الله وسنة رسوله تماماً كما يعطي البائع السلعة للمشتري بناءً على عقد البيع على أن يعطيه المشتري مقابل السلعة وهو الثمن. والمقابل الذي يقدمه الإمام نظير ما أخذ من السلطة هو الحكم بكتاب الله وسنة رسوله بمعنى تطبيق المنهاج على أكمل وجه وعلى أساسٍ واضح لا لبس فيه. وعليه أخانا فإن الواجب على من أجرى البيعة من الأمة أن يلتزم بآثاره وهي "السمع والطاعة" للإمام وهذا ما يقتضيه الوفاء بالبيعة. والنصوص الواردة في هذا والدالة عليه كثيرة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم (من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ) والحق أن طريقة الإسلام الصحيحة في اختيار الأمير أو الإمام عملاً بمبدأ الشورى هي طريقة واحدة وهي بيعة أهل الحل والعقد ثم انضمام رضا الجماعة باختياره. والصحيح أيضاً أن طريقة الاستخلاف هي مجرد ترشيح من الإمام السابق لمن يَعْهَدُ إليه ولا ينال المستخلف صلاحياته إلا بعد المبايعة ولو لم تبايعه الجماعة لا يصح أن يكون إماماً بمجرد الاستخلاف .
واعلم أن الطاعة كما أنها واجبة للإمام فإنها واجبة لمن يعيّنهم الإمام من القادة والأمراء نيابة عنه في حدود الصلاحيات المسندة لهم .. جاء في بدائع الصنائع (وإذا أمِّر عليهم يكلفهم طاعة الأمير فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه .. لأنه نائب الإمام وطاعة الإمام لازمة، كذا طاعته .. لأنها طاعة الإمام ) وهنا قضية مهمة تتعلق بالدعوة وخاصة الجانب العسكري منها .. فلو تعذر وجود القائد أو الأمير المعين من الإمام على منطقةٍ ما أو معسكر أو أي قطعة من الجهاز أو حتى عن مجموعة خرجت لعملٍ جهادي ما نتيجة لإستشهاد أو عذر قاهر يعرفه أهل الأمر على الجبهات فيجب على هذه المنطقة أو المجموعة أن تختار من بينها قائداً يقودها ويدبِّر أمورها وتجب طاعته كما لو كان وصيِّاً من الإمام .. جاء في المغني لابن قدامة (إن بعث الإمام جيشاً وأمَّر عليهم أميراً فقُتل أو مات، فل للجيش أن يؤمروا أحدهم .. كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جيش مؤتة لما قُتل أمرائهم الذين أمَّرهم النبي صلى الله عليه وسلم .. أمَّروا خالد بن الوليد فبلع النبي صلى الله عليه وسلم فرضي أمرهم، وصوَّب رأيهم وسمَّى خالداً يومئذٍ سيف الله) وانتبه أخا التوحيد لقضية هامة أخرى وهي إذا أصدر الإمام قراراً بعزل أحد القادة أو الأمراء فإن المعزول يصبح مجرداً من أي سلطةٍ كان يملكها على من كان تحت إمرته فلا يجوز لأحدٍ من الذين كانوا يخضعون لسلطة هذا القائد المعزول أن يستمروا على طاعته إذا ما سوَّل له الشيطان التمرد على قيادته الشرعية .
واعلم هداك الله أن الأمراء لا ينبغي لهم أن يضعوا نصوص الطاعة في نطاقها الغير صحيح بل يجب عليهم الإلتزام بالشريعة والعدل في الجماعة وأن يكونوا نعم القدوة والقادة للناس جميعاً على أساس الدين والخلق ...
على أن الجماعة يجب أن تقوم على الأتقياء الأنقياء الملتزمين بشرع الله وأن تقوم على أساس أجهزة وقنوات لا يستبد مع وجودها شخص بالأمر. ويجب على قيادة الجماعة أن لا تستبد بإسم الطاعة فتعين ابتداءً أمراء مكروهين من المجاهدين لإنحرافات في سلوكهم الشخصي أو عدم أهلية للمكانة التى هو فيها أياً كانت تلك المكانة أو أنه من النوع الذي يحمل مرؤوسيه الذين هم تحت مسؤليته على المكاره والمشقة بذريعة أنها في حدود المشروع من التكاليف .. بل يجب أن يُؤمَّر العارف بالحلال والحرام العَدْل العالم بوجوه السياسات المختلفة .. وأن يَتق الله تعالى في خاصَّة نفسه وبمن حوله من المؤمنين خيراً ورحمةً ورأفةً .. فاللين والأخَّوة الصادقة والإنسجام والإقتناع هي التي تجعل المرء تلقائياً يسمع ويطيع ويهب نفسه للدعوة وهي التي تجعل المجاهدين يضربون أروع الأمثلة في الثبات والرسوخ في ساعات الشدة والضيق. وليعلم الأمير أن الحاكم والمحكوم سواسية في ميزان الشرع يتم التفاضل بينهما على أساس التقوى فأكرم الخلق عند الله أتقاهم .. والبشر عندنا كلهم يخطئوا ويصيبوا إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم ولذلك فالحاكم والأمير كما باقي البشر يخطىء في كثير من الأحيان وهو بحاجة إلى تفهم النقد والنصح والأخذ به .. ورحم الله أبا بكر عندما قال في خطبته يوم تولِّيه الخلاقة: (أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي ندي حتى أريح عليه حقه، إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخد الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلاَّ ضربهم الله بالذل. ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء؛ أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم؛ قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله) ...
وليعلم من يتولى شيئاً من أمر المسلمين أنهم أحرار ولهم كرامات لا تُهدر وحقوق لا تُضيَّع، فيجب توفير الإحترام لهم وحفظ كراماتهم وحقوقهم وتجنب إذلالهم وعدم إلحاق المهانة بهم أو التشكيك في قدراتهم والتحقير من مواهبهم وفي هذا المعنى يقول عمر رضي الله عنه (ألا لا تضربوا الناس فتذلوهم ) وقال لعمرو بن العاص عندما ضرب ابنه ذلك القبطي في أرض الكنانة قال (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ) ...

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ..

والحمد لله رب العالمين ...

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
l3wine

avatar

عدد الرسائل : 50
نقاط : 3056
تاريخ التسجيل : 21/10/2010

مُساهمةموضوع: رد   2010-11-11, 09:56

المبادىء الأساسية للدعوة الجهادية

الباب الرابع

} الحقوق {

الحمد لله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. اعلم هداك الله أن حقوق المجاهد محفوظة بحفظ الله جل وعلا للجهاد والمجاهدين. والحقوق التي نقصد هي الأمور المستحقة للمجاهد. وهي الواجبات المفروضة على القيادة تجاه المجاهد سواء في مرحلة المجاهدة التي نخوض أو في مرحلة التمكين لهذه الدعوة إن شاء الله.
وقبل أن نتحدث عن حقوق المجاهدين الثابتة نذكر إن شاء الله بعض الحقوق العامة التي يجب أن تكون هي أصل التعامل بين المسلمين ثم نفصل الحقوق موضوع البحث. ومن الحقوق العامة ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث (حق المسلم على المسلم ست .. إذا لقيته فسلم عليه. وإذا عطس فحمد الله فشمته. وإذا دعاك فأجبه. وإذا مرض نعده. وإذا استنصحك فانصح له وإذا مات فاتبعه ) ومن حقوق المسلمين الوصل والزيارة (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً ) ومن حقوق أخيك أن تحب له ما تحب لنفسك فإنه (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه ) ولا تمسّه بسوء ولا تروّعه (المؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم ) وإياك أن تهجر أخاك فوق ثلاث أيام (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) ولا تحتقره أو تسخر منه (بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) وإياك أن تَنُمَّ على المسلمين لأنه (لا يدخل الجنة قتات ) أي نماَّم. وحق المسلمين علينا ألاَّ نحسدهم (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخواناً ) ولا نغشهم (من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا ) ومن حقوق المسلم ألا تماطله في دين ما دمت قادراً على سداده لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مطل الغني ظلم) ولا تتبع عورته (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته ) وأن تخالقه بخلق حسن ( اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلقٍ حسن ) وأن تحترمه وتُجلَّه إن كان عالماً عاملاً بعلمه ( ليس منا من لم يُجلّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ) وأن تعفو عن زلّاته ( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً ) وتدعو له في ظهر الغيب ( من دعا لأخيه في ظهر الغيب قال الملك الموكل آمين ولك بمثل ) وأن تعطيه إذا سألك بالله ( من استعاذكم بالله فأعيذوه. ومن سـألكم بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه. ومن صنع لكم معروفاً فكافئوه فإذا لم تجدوا ما تكافئوه به ادعوا له حتى تروا أنكم قد كافئتموه ) . وأن تكرمه ضيفاً ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) ومن حقوق المسلمين الاستغفار لهم { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } وهذا الاستغفار لا يجوز أن يكون للمشركين الذين تبين شركهم لقوله تعالى: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } ومن حقوق المسلم على المسلم ألا يغدر به إذا عاهده وأن يتجنب صفات المنافقين من كذب الحديث وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة والغدر بالعهود والفجور عند الخصام ويجب أن يكون مع المؤمنين في الشدة والرخاء وهذا بخلاف المنافقين فإنهم يكونون مع المؤمنين في الرخاء ويتخلون عنهم في الشدة .. نعوذ بالله من ذلك .
وقد ذكر الشيخ عبد اللطيف آل موسى حقوقاً خاصة بالجيران في كتابه الياقوت والمرجان أوردتها هنا لأهميتها الكبيرة في مجتمعاتنا اليوم وفي إصلاحها. ومن هذه الحقوق عدم أذية الجار (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ) وقال صلى الله عليه وسلم ( والله لا يؤمن. والله لا يؤمن. فقيل له: من هو يا رسول الله؟ فقال: الذي لا يأمن جاره بوائقه ) أي لا يأمن ظلمه وأذاه وبطشه. ومن حقوقه ما ورد في الحديث ( لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره ) وأن تبر قسمه إذا أقسم عليك في غير معصية. وألا يبع على بيعه ولا يخطب على خطبته. وعليه أن يساعد جيرانه في أفراحهم وأتراحهم وألاَّ يبيت وجاره جائع وألاَّ يبع أو يؤجر ما يتصل بجاره حتى يعرض الأمر على جيرانه الأقرب فالأقرب دون غيرهم. وإذا ما ابتلي بجار سوء فعليه أن يصبر وليقابل الإساءة بالإحسان وليتذكر قول الله في هذه الحالة وغيرها من الحالات { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ورحم الله القائل ( اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله فإن أصبت أهله فهم أهله وإن لم تصب فأنت أهله ) .
والآن نأتي معك إلى أبرز الحقوق الخاصة بالمجاهدين والواجبة على قيادتهم بنص الكتاب والسنة. والحقوق كثيرة لا حصر لها وحسب المجاهد قول الله تعالى { إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ } وهؤلاء الأنصار بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على عبادة الله وحده لا شريك له. وعلى السمع والطاعة في غير معصية. وعلى النفقة في العسر واليسر. وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلى تبليغ الحق لا تأخذهم فيه لومة لائم. وعلى نصرة النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم إليهم وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم. وماذا كان المقابل ؟ وما هو الثمن ؟ لقد كانت الجنة هي المقابل. والنعيم هو الثمن. وأنعم به من ثمن. قد ربح البيع واللهِ. لا نقيل ولا نستقيل. وأبشر يا رسول الله. ويا خيل الله اركبي. ولبيك اللهم لبيك ..
الحق الأول: الرفق بالمجاهدين ...

قال تعالى { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ) وقال صلى الله عليه وسلم ( من يحرم الرفق يحرم الخير كله ) وقد قال عمر رضي الله عنه ( البر شيء هيّن. وجه طلق وكلام ليّن ) واعلم أن هذه الآداب من أهم الآداب الإسلامية التي اتصف بها النبي صلى الله عليه وسلم فكان من أسباب محبة المؤمنين له واجتماعهم عليه كما قال تعالى { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} فالله تعالى يبين هنا أن الرحمة التي اتصف بها النبي صلى الله عليه وسلم كانت من أسباب اللين والرفق بالمؤمنين وأنه لو اتصف بالغلظة والقسوة وحاشاه - لانصرف الناس عنه -. يقول سيد قطب رحمه الله ( فهي رحمة الله التي نالته ونالتهم ; فجعلته صلى الله عليه و سلم رحيماً بهم , ليناً معهم . ولو كان فظاً غليظ القلب ما تألفت حوله القلوب , ولا تجمعت حوله المشاعر . فالناس في حاجة إلى كنف رحيم , وإلى رعاية فائقة , وإلى بشاشة سمحة , وإلى ود يسعهم , وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم . . في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ; ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه ; ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء . . وهكذا كان قلب رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم وهكذا كانت حياته مع الناس . ما غضب لنفسه قط . ولا ضاق صدره بضعفهم البشري . ولا احتجز لنفسه شيئا من أعراض هذه الحياة , بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية . ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم . وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه ; نتيجة لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من نفسه الكبيرة الرحيبة ) .
واعلم أن كل أمير عليه الاتصاف بهذه الصفات النبوية الكريمة. وهذا الخلق من أعظم المقويات لأواصر المحبة في الله تعالى. والأمير إذا لم يتصف بهذا الخلق ينفر المدعوون والمجاهدون من الجماعة وأميرها بسبب قسوته وجلافته. وعليه فلا بد أن يلتزم كل أمير بمبادىء الآية الكريمة وشروطها الثلاثة:-
1- أن يعفو عنهم إذا أساءوا ...
2- وأن يطلب لهم المغفرة إذا أذنبوا . ..
3- وأن يشاورهم في الأمر تأليفاً لقلوبهم وتطييباً لخواطرهم...
واعلم رعاك الله أن هذه المعاملة من اللين والرفق وخفض الجناح ليست وقفاً على الأمير دون غيره مع أنها في حقه أثبت – إنما هي عامة بين أفراد الجماعة وبين المسلمين جميعاً فكما أنه من حق المجاهدين على أميرهم الرفق معهم فمن حقه عليهم الرفق وخفض الجناح فقد روى مسلم وأبو داوود وابن ماجه عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يعجز أحدٌ على أحد ولا يبغي أحد على أحد ). فمن حق المسلم على أخيه المسلم الرفق واللين والتواضع والعدل. وقد ذكر الدكتور عبد اللطيف آل موسى ستة أمور تُقوِّي الحب في الله بين أفراد الجماعة ...
أولاً...إخبار من تحب أنك تحبه في الله لأن ذلك يبقي الألفة ويقوى المحبة. قال صلى الله عليه وسلم ( إذا أحبَّ أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه ) .
ثانياً... إفشاء السلام فإنه يزيل الوحشة ويذهب الدهشة. قال صلى الله عليه وسلم ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ) .
ثالثاً... الهدية. قال صلى الله عليه وسلم ( تهادوا تحابوا ) .
رابعاً... تخول الزيارة. أي عدم الإكثار منها لأن الإكثار من الزيارة يحدث الملل ويورث فتوراً في المحبة لقوله صلى الله عليه وسلم ( زُرْ غِبَّاً تزدد حباً ) ولله در القائل:-

عليك بإغباب الزيارة إنها إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكاً
فإني رأيت الغيث يُسأم دائماً ويُسأل بالأيدي إذا كان ممسكاً

خامساً...القصد في الحب والبغض. لقوله صلى الله عليه وسلم ( أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما. وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما ) .
سادساً... الحرص على الطاعة وترك المعصية. لأن ذلك يورث محبة الله للعبد. ومن أحبه الله كتب له القبول الحسن بين عباده. ولذلك من أراد عزة فليطع العزيز. ومن أقبل على الله بقلبه أقبل الله بقلوب المؤمنين الصادقين { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً } وقال صلى الله عليه وسلم ( إذا أحب الله عبداً نادى: يا جبريل إن الله يحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض) .

ونشدد مرة أخرى على وجوب رفق الأمير بالعناصر والجنود وأن يخفض لهم الجناح ويعاملهم باللين والاحترام والتواضع. واسمع لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجتهد لهم وينصح لهم إلاّ لم يدخل معهم الجنة ) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به ) وعن أبي مريم الأزدي أنه قال لمعاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( من ولّاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة ) فجعل معاوية رضي الله عنه وأرضاه رجلاً على حوائج الناس . وعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من أميرٍ يلي أمور المسلمين ثم لا يجتهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل الجنة ) .
واعلم أن الرفق واللين من العدل والإحسان والقسط. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( إن المقسطين عند الله على منابر من نور. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم ما وُلُّوا ) والرفيق اللين من أهل الجنة بإذن الله. فعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطانٍ مقسطٌ مُوَّفقٌ. ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلبِ لكلِّ ذي قربى ومسلم. وعفيفٌ متعففٌ ذو عيال ) .

جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة .. وجمعنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله .. على منابر من نور يغبطنا النبيون والشهداء ...

والحمد لله في الأولى والآخرة ...
الحق الثاني: النصيحة ...

عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه – وليس له غير هذا الحديث – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الدين النصيحة. قلنا لمن ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) .
اعلم أخا التوحيد أن النصيحة حق ثابتٌ للمجاهد تجاه القائد والعكس صحيح. وهي تنافي الغل إذ هي ضده. ومن نصح للأئمة فقد بريء من الغِل وكذلك نُصحه للأمة . والغل هو الحقد. والنصيحة كلمة جامعة معناها إرادة جملة خير حيازة لخط المنصوح له. وهي من وجيز الأسماء ومختصر الكلام وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة. كما قالوا في "الفلاح" : ليس في كلام العرب كلمة أخرى لخيري الدنيا والآخرة منها.
والنصيحة في اللغة كذلك هي الإخلاص، يقال: نصحت العسل إذا صفيته، وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم .
واعلم أن النصح لأئمة المسلمين معناه اقتضاء الواجب نحوهم وتنبيههم عند غفلتهم. وأنت خبير بأن البشر يخطئوا ويصيبوا ولا يستثنى من هذه القاعدة إلا المعصومون عليهم الصلاة والسلام .. وعليه فالأمير ربما يخطىء في كثير من الأحيان ومن واجبه الشرعي حينئذٍ قبول النصيحة من الدعاة والمجاهدين. لأن ذلك ممارسة منهم لحقٍ ثابتٍ وأصيلٍ من حقوقهم .. يقول الخطابي رحمه الله (فمن نصيحتهم بذل الطاعة لهم – أي للأئمة – في المعروف. والصلاة خلفهم وجهاد الكفار معهم وأداء الصدقات إليهم. وترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم حيف أو سوء سيرة. وتنبيههم عند الغفلة. وألا يغروا بالثناء عليهم وأن يدعى بالصلاح لهم. وقد يتأول ذلك في الأئمة الذين هم علماء الدين. في نصيحتهم قبول ما ردوه إذا انفردوا. وتقليدهم ومتابعتهم على ما رووه إذا اجتمعوا ) . ولا بد أن نوضح المقصود بالأئمة وهم كل صاحب ولاية دينية أو علمية مما يصح قياس قادة الدعوة عليه وكذلك أصحاب الفضل فيها وأشرف الناس في المجتمع. وقد أوضح النووي ذلك بقوله (وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وعيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات وهذا هو المشهور ) .
قال ابن عثيمين رحمه الله (ولاة الأمور. ذكر أهل العلم أنهم قسمان. العلماء والأمراء.
أما العلماء .. فهم ولاة أمور المسلمين في بيان الشرع. وتعليم الشرع. وهداية الخلق إلى الحق. فهم ولاة أمور في هذا الجانب.
وأما الأمراء .. فهم ولاة الأمور في ضبط الأمن وحماية الشريعة وإلزام الناس بها فصار لهؤلاء وجهة ولهؤلاء وجهة. والأصل .. العلماء، لأن العلماء هم الذين يبينون الشرع ويقولون للأمراء هذا شرع الله فاعملوا به، ويلزم الأمراء بذلك لكن الأمراء لا طريق لهم إلى علم الشرع إلا عن طريق العلماء. وهم إذا علموا الشرع نفذوه على الخلق ) .
وفي معنى النصح للأئمة ومن هم في طبقتهم من قادة الدعوة وأصحاب الفضل فيها يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله (أعانتهم على ما حُمِّلوا القيام به. وتنبيههم عند الغفلة. وسد خلتهم عند الهفوة. وجمع الكلمة عليهم ورد القلوب النافرة إليهم ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن. ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد وتقع النصيحة لهم ببث علومهم ونشر مناقبهم وتحسين الظن بهم ) .
واعلم أخانا أن النصح له ضوابط لا بد منها ذكرها العلماء وهي عامة في كل نصح ويجب الأخذ بها صيانة للنصيحة واستكمالاً للأدب .. نذكرها بإيجاز ...
1- ألا تكون النصيحة على وجه التوبيخ أو التعيير أو يقصد منها الاستعلاء والخيلاء.
2- أن تكون سراً ما أمكن ويتجنب التشهير أو المفاخرة فيما بعد النصيحة.
3- أن لا يلجأ الناصح إلى التصريح إذا كان التلميح كافياً وكما قيل الإشارة قبل العبارة.
4- أن لا يكون في النصح رد لاعتبار شخصي أو مظهر من مظاهر الانتقاد والمناكفة.
5- أن يتوخى في النصح أجمل العبارات وأسهل الألفاظ وأبلغها.
6- أن لا ينتظر الناصح قبول نصيحته وإنما يؤدي الواجب دون عتابٍ على عدم الأخذ بها.
واعلموا هداكم الله أن الصادق في نصيحته لا يعوزه معرفة آداب النصيحة. فكلما زاد الإخلاص في النصيحة يزداد القبول لها بإذن الله. والصدق في التناصح يجعل المجاهدين يرتقون في مراتب الإيمان لأن الدين مبناه النصيحة وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه بين الله تعالى وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم في دليل واضح على أهمية النصيحة وأنها ركن قوي ودعامة أساسية في هذا الدين ..
بقي أن نشير إلى النصح لله وكتابه ورسوله وعامة المسلمين بما أمكن من إيجاز .. ونبدأ بمعنى النصح للعامة لما فيه من تكليفٍ فتبادل مع الأئمة ولما فيه من سلامة الدعوة والمجتمع .. والنصح للعامة يكون بإرشادهم إلى مصالحهم من أمر الدنيا والآخرة وذلك من خلال الدعوة والدعاة. ويجب ألا تقتصر النصيحة على القول بل يجب أن تتعداه إلى ميدان الجهد والعمل فتظهر في الجماعة والمجتمع ستراً للعورات وسداً للخلل والثغرات ودفعاً للضرر وجلباً للمصالح ودفعاً للمفاسد وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ودعوة إلى كل خير وابتعاداً عن كل شر وتوقيراً للكبير ورحمةً للصغير وتركاً للغش والحسد والبغض والغل والشح والعداوة وسائر أمراض القلوب وصفاءً مع أنفسهم ومع بعضهم ومع خالقهم وتمسكاً بأمور دينهم ولو أضرَّ ذلَك بدنيا الناصح أو ماله .. ولقد أوضحنا ذلك كله في فصل ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) الذي هو جوهر التناصح ولله الفضل والمنة ..
وأما النصيحة لله تعالى فقد قال الخطابي وغيره من العلماء ( النصيحة لله تعالى معناها منصرف إلى الإيمان به ونفي الشرك عنه وترك الإلحاد في صفاته ، ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها وتنزيهه عن جميع النقائص، والقيام بطاعته واجتناب معصيته والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به والإعتراف بنعمته والشكر عليها والإخلاص في جميع الأمور والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها والتلطف بالناس . قال الخطابي ( وحقيقة هذه الأوصاف راجعة إلى العبد في نصحه نفسه، فإن الله سبحانه غني عن نصح الناصح. وأما النصيحة لكتابه سبحانه فبالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبه شيء من كلام الناس، ولا يقدر على مثله أحدٌ من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق التلاوة، وتحسينها والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأول المحرفين والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله، والإعتبار بمواضعه والتفكير في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه، والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحة.
وأما النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حياً وميتاً، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره وإحياء طريقته وسنته وإجابة دعوته ونشر سنته ونفي التهمة عنها، واستئثار علومها والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعليمها وإعظامها وإجلالها والتأدب عند قراءتها والإمساك عن الكلام فيها بغير علم وإجلال أهلها لانتسابهم إليها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهل بيته وأصحابه ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحدٍ من أصحابه ونحو ذلك ) .
الحق الثالث: المشورة ...

إن الشورى أخا التوحيد من أهم المبادىء التي أوجدها الإسلام العظيم لتعليم الأمة وتربية الجماعة وإعدادها للقيادة الرشيدة .. وهي حق ثابت للمجاهدين وذلك بأخذ رأيهم وعدم الإستبداد بالأمر دونهم لقول الله تبارك وتعالى { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} وقوله كذلك { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } وهذه آية من سورة كاملة سميت بالشورى لأهميتها الكبيرة وآثارها العظيمة .. وفي هذه الآية يمتدح الله تعالى المؤمنين بهذا المبدأ الراسخ فيهم .. والنبي صلى الله عليه وسلم التزم مبدأ التشاور مع أصحابه، وإذا استعرضنا حياته صلى الله عليه وسلم نجد أنه كان يلتزم هذا المبدأ في كل أمرٍ لا نص فيه من كتاب الله تعالى ممَّا له علاقة بالتدبير والسياسة الشرعية .. ولذلك أجمع المسلمون على أن الشورى في كل أمر لم يثبت فيه "نص ملزم" من كتابٍ أو سنة أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله أما ما ثبت فيه نص من القرآن أو حديث من السنة أبرم الرسول صلى الله عليه وسلم فيه حكمه فلا شأن للشورى فيه ... واعلم أيها المجاهد أن الشورى ملزمة للحاكم أو الأمير أن يأخذ بالرأي الذي يجمع عليه أهل المشورة وكلهم أهل رأي وخبرة وأمانة ونحن نتكلم هنا عن دعوةٍ كاملةٍ سليمةٍ وإلا لزم أن يكون الأمير مستبداً برأيه ولا معنى لوجود أهل المشورة حينها. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف النتائج الخطيرة التي كانت تنتظر الصف المسلم جراء الخروج إلى أحد – وهو سبب نزول آية آل عمران المتقدمة – لكنه عزم وتوكل على الله وخرج بعد أن أفضت نتائج الشورى حينها للخروج في تأكيد منه صلى الله عليه وسلم على أن الشورى مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام إلا على أساسه وأنه لازم على الأمير أن يأخذ به. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ به فغيره من الناس أولى. والنص المتقدم {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } جاء عقب وقوع نتائج الشورى المريرة في أحد. فقد اختلفت الآراء قبل المعركة. فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة يجتمعون بها ثم إذا هاجمها الكفار قاتلوهم على أفواه الأزقة ومن فوق البيوت. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يميل لهذا الرأي. وتحمست مجموعة أخرى ومعظمها من الشباب فرأت الخروج للقاء المشركين. ولما استقر الرأي على الخروج دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته ولبس درعهُ لأمته ومضى متوكلاً على الله في درس رهيب وخالدٍ منه صلى الله عليه وسلم أن الشورى لها وقت ولا مجال بعدها للتردد والتراجع والتأرجح مرة أخرى ومعاودة تقليب الرأي من جديد. مضى صلى الله عليه وسلم رغم أنه كان يعرف النتيجة مسبقاً. فقد عرف من خلال رؤياه الصادقة التي رآها أن النتائج ستكون مأساوية. فقد تأول رؤياه قتيلاً من أهل بيته وقتلى من صحابته وتأول المدينة درعاً حصينة.
نقول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بإمكانه أن يلغي ما استقر عليه الأمر الناتج عن الشورى. وهذا من حقه وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الموحى إليه من الله. لكنه أراد إقرار مبدأ عظيم ومن المعلوم أن تعليم الجماعة وتربيتها أكبر من كل الخسائر اللحظية التي سرعان ما تتجاوز الأمة بصلابتها وقوتها ورسوخها في العلم بعد التجارب والمحن. يقول سيد قطب رحمه الله ( كان الإسلام ينشىء أمة ويربيها ويعدها للقيادة الراشدة. فلم يكن بُد من تحقيق الرشد للأمة ورفع الوصاية عنها في حياتها العملية، كي تدرب عليها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وإشرافه. ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى ويمنع تدريب الأمة عليها في أخطر الشؤون – كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة المسلمة الناشئة نهائياً وهي تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب – ويحل للقيادة أن تستقل بالأمر رغم الخطورة – لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشؤون لكان وجود محمد صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي كافياً يومها لحرمان الجماعة من حق الشورى، خاصة وقد كانت النتائج مريرة، ولكن وجود النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي مع تلك الأحداث والملابسات لم يُلغ هذا الحق. لأن الله يعلم أنه لا من مزاولة هذا الحق في كل الظروف مهما تكن النتائج والخسائر وانقسام الصف. وفي هذا إسقاط للحجة التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة كلما نتج عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة ولو كان هو انقسام الصف كما وقع في "أحد" والعدو على الأبواب. فوجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ ووجودها أكبر من أي خسارة على الطريق ) انتهى بتصرف.
نقول أن الشورى وإضافة إلى ما تقدم فإن فيها ممارسة لحرية التعبير عن الرأي وفيها كذلك إعداد الكادر للقيادة. والأهم في الموضوع أنها تزيح العبء عن الإمام الفرد وتحمله للأمة بأسرها من خلال ممثليها القادرين بإذن لله على تحمل الأعباء والمشاركة في اتخاذ القرارات والتعاون على البر والتقوى { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }
يقول سيد قطب رحمه الله في هذا المعنى (وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة أن تُربى بالشورى. وأن تُدرب على حمل التبعة وأن تخطيء – مهما يكن الخطأ جسيماً وذا نتائج مريرة – لتعرف كيف تصحح خطأها. وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها. فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ ) .
واعلم أن الحاكم يستمد شرعيته من هذه المشاورة وبها يحوز على ثقة الأمة والجماعة. يقول القرطبي رحمه الله (المستشير ينظر في
اختلاف الآراء. وينظر أقربها إلى الكتاب والسنة إن أمكنه. فإذا أرشده الله إلى ما شاء منها عزم عليه وأنفذه متوكلاً على الله )
على أن مجلس الشورى في الدعوة يتكون ممن يمثلون الناس في الرأي ليكونوا مستشاري الأمير. والعضو في مجلس الشورى ينتخب انتخاباً ولا يجوز أن يعيّن تعييناً كما هو الحاصل عند البعض اليوم.
ويجب علينا التزام هذا المبدأ العظيم في دعوتنا والذي أصَّلنا له كحقٍ ثابتٍ للمجاهدين ويمكن تقسيم المناطق وتشكيل مجلس شورى محلي في كل منطقة وينفرد من كل مجلس فرعي أكفؤه ليشكلوا المجلس الشوري العام ( مجلس شورى المجاهدين ). كما أنه من الممكن أن يقام لكل جهاز من أجهزة الدعوة مجلس شورى خاص به يرجع في قراراته للمجلس الشوري العام. على ألاَّ يُغفل الآخرون من المجاهدين. وبالله التوفيق وعليه التكلان. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ...
الحق الرابع: النصرة ...

والنصرة للمجاهد تكون بأخذ الحق والحماية من الظلم والإعتداء .. ورده عن الظلم في المقابل .. فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً. أرأيت إن كان ظالماً فكيف أنصره ؟ قال: تحجزه – أو تمنعه – من الظلم فإنَّ ذلك نصره ) وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول (إن قويكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه وإن ضعيفكم عندي قوى حتى آخذ الحق له ) ...
والنصرة والتناصر تكون كذلك بأن يهب المؤمن لمساعدة إخوانه في أفراحهم وأتراحهم .. وهي واجبٌ أخوي إيماني على كل مسلم لأخيه المسلم من أي جنسٍ كان وفي أي أرضٍ حل وبأي لونٍ هو .. ينصره بنفسه وبماله وبالذب عن عرضه والذود عن حماه .. ودعوتنا أخا التوحيد وجماعتنا المجاهدة بحاجة اليوم لهذا المفهوم ولهذا المبدأ حتى تكون متماسكة البنيان قوية الهيكل .. واعلم أن عماد هذا البنيان "المجاهدين" .. ننصرهم بالقول والفعل حتى نستطيع مواجهة الحملات الرهيبة التي يشنها الكفر وعصاباته حاشداً إعلامه وقنواته ..
واعلم أن هذا المبدأ هو فرض على الجماعة تجاه الفرد وعلى الفرد اتجاه الجماعة، ولذلك ورد التهديد المغلَّظ لمن تركه وهو قادرٌ عليه .. فقال صلى لله عليه وسلم(ما من امرءٍ يخذل امرءاً مسلماً في موضعٍ تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطنٍ يحب فيه نصرته .. وما من امرءٍ ينصر مسلماً في موضعٍ ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته ) وقد امتدح الله سبحانه وتعالى الأنصار (رضوان الله عليهم ) في نصرتهم لإخوانهم المهاجرين فقال { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ} وهذه الآية التي حصر الله فيها الولاء بين المؤمنين وحدهم .. لا تتعارض مع قوله تعالى { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } فمعنى هذه الآية أن من كف أذاه من الكفار ولم يعتدِ على المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم وأوطانهم فإن المسلمين يقابلون ذلك بالإحسان إليه والعدل معه في التعامل الدنيوي من تجارة مباحة وإستيراد بضائع ومصنوعات نافعة واستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم وهذا النبي صلى الله عليه وسلم استأجر ابن اريقط الليثي ليدله على الطريق وهو كافر واستدان من بعض اليهود .. ولكن المسلمين لا يجوز لهم محبة الكفار بقلوبهم لأن الله تعالى يقول في هؤلاء الغير معتدين { أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } ولم يقل توالونهم وتحبونهم، لأن الصلة والمكافأة الدنيوية تختلف عن المودة لأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيباً للكافر في الإسلام فهما – الصلة وحسن المعاملة – من وسائل الدعوة بخلاف المودة والموالاة فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه من الكفر والظلم والبغي .
على أن المسلمين ملة واحدة وجسد واحد في كافة الأنحاء، فكل البلاد الإسلامية هي وطني وكذلك كل مسلم في الأرض هو أخي ولا وجود عندنا لهذه الحدود الإستعمارية المصطنعة .. وعلى المسلم الحامل لعقيدة التوحيد الزكية أن يرفض عصبية القبيلة والجنس والأرض واللون .. فلا قومية في الإسلام ولا وطنية ولا بلديه وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول (دعوها فإنها منتنة) ويقول (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية ). فهذه المفاهيم الفاسدة الباطلة في منطقنا السليم وديننا القويم .. يقول سيد قطب رحمه الله ( بهذه النصاعة الكاملة، وبهذا الجزم القاطع جاء الإسلام .. جاء ليرفع الإنسان ويخلصه من وشائج الأرض والطين، ومن وشائج اللحم والدم – وهي من وشائج الأرض والطين – فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الإرتباط في الله، ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التى تجعله عضواً في "الأمة المسلمة" في "دار الإسلام" ولا قرابة للمسلم إلا التي تنبثق من العقيدة في الله، فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله .. ليست قرابة المسلم أباه وأمه وأخاه وزوجه وعشيرته، ما لم تنعقد الآصرة الأولى في الخالق فتتصل من ثم بالرحم ) وعليه أخا التوحيد فمن اعتدى من الكافرين على المسلمين في فلسطين فهو عدوٌ للمسلمين كافة يحرم التعامل معه أو بره أو أن نقسط إليه فضلاً عن حبه ومودته وموالاته. وهذا ينطبق على كل البلاد المعتدى عليها من أرض المسلمين في العراق وأفغانستان والصومال والشيشان وكشمير والفلبين وغيرها ... ولا وجود في ديننا وعقيدتنا لما يسمى (قضية داخلية ) أو أن مشاكل المسلمين في الإتحاد الفلاني أو القارة الفلانية (مسألة سياسية داخلية ) وغيرها من المسميات الباطلة التي يتشبث بها المرجفون والمنافقون انسلاخاً من الدين وتهرباً من النصرة وانسياقاً خلف الشهوات والهوى والله تعالى يقول {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} .
ونحن في هذا السياق نؤكد على المبدأ الأساس وهو أنه لا فصل بين الدين والسياسة في إسلامنا العظيم وحمل الدين شعاراً يقتضى أن يكون الأصل هو الدين في التسمية والمضمون والممارسة والدين هو السياسة الحقيقة النافعة والسياسة في الحقيقة هي ما جاء في شرع الله .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدى، وسيكون خلفاء فيكثرون ) قال ابن عثيمين رحمه الله تعليقاً على هذا الحديث في هامش رياض الصالحين (في قول النبي  "تسوسهم الأنبياء" .. دليل على أن دين الله – وهو دين الإسلام في كل مكان وفي كل زمان – هو السياسة الحقيقية النافعة وليست السياسة التي يفرضها علينا أعداء الإسلام من الكفار. والسياسة حقيقة ما جاء في شرع الله ولهذا نقول: إن الإسلام شريعةً وسياسة، ومن فرَّق بين السياسة والشريعة فقد ضل، ففي الإسلام سياسة الخلق مع الله وبيان العبادات، وسياسة الإنسان مع أهله ومع جيرانه ومع أقاربه ومع أصحابه ومع تلاميذه ومع معلميه ومع كل أحد، كل له سياسة تخصه، سياسة مع الأعداء الكفار ما بين حربيين ومعاهدين ومستأمنين وذميين. وكل طائفة قد بين الإسلام حقوقهم وأمر أن نسلك بهم كما يجب، فمثلاً الحربيون نحاربهم، ودماؤهم حلال لنا وأموالهم حلال لنا، وأراضيهم حلال لنا.
والمستأمنون يجب أن نؤمنهم كما قال تعالى { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} . والمعاهدون يجب أن نوفي لهم بعهودهم، ثم أن نطمئن إليهم أو نخاف منهم، أو ينقضوا العهد. وثلاث حالات كلها مبينة في القرآن، فإن اطمأننا إليهم وجب أن نفي إليهم بعهدهم، وإن خفنا فقد قال تعالى { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ } .
قل لهم .. ما بيننا عهد إذا خفت منهم، ولا تنقض العهد بدون أن تخبرهم.
والثالث الذين نقضوا العهد { فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُون }  إذا نقضوا العهد فلا أيمان لهم ولا عهد لهم ..
فالمهم أن الدين دين الله وأن الدين سياسة .. سياسة شرعية، سياسة اجتماعية، سياسة مع الأجانب، ومع المسالمين، ومع كل أحد .. ومن فصل الدين عن السياسة فقد ضل، وهو بين أمرين: إما جاهل بالدين ولا يعرف، ويظن أن الدين عبارات بين العبد وربه، وحقوق شخصية وما أشبه ذلك، يظن أن هذا هو الدين فقط أو أنه قد بهره الكفرة وما هم عليه من القوة المادية فظن أنهم هم المصيبون. وأما من عرف الإسلام حقَّ المعرفة عرف أنه شريعة وسياسة) أهـ كلام ابن عثيمين رحمه الله .. واعلم هداك الله أن الأصل في العلاقة مع الدول المعتدية ولو كانت معاهدة هو الحرب لقول الله تعالى { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } . ولأن النبي  سار إلى قريش لحربهم بعد صلح الحديبية لأنهم نقضوا الصلح وُوجد منهم الإعتداء كما هو معروف في السيِّر ... واعلم أن الناس في الولاء والبراء على ثلاثة أقسام ذكرها الشيخ عبد اللطيف آل موسى ...

القسم الأول ... من يُحَب محبة خالصة لا معاداة معها ...وهم المؤمنون الخُلًص من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه تجب محبته أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ثم زوجاته أمهات المؤمنين وأهل بيته الطيبين وصحابته الكرام، خصوصاًَ الخلفاء الراشدين وبقية العشرة المبشرين بالجنة والمهاجرون والأنصار وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم التابعون والقرون المفضلة وسلف هذه الأمة وأئمتها، كالأئمة الأربعة وكل المؤمنين الملتزمين بشرع الله وهدي نبيه .ولا يبغض الصحابة وسلف هذه الأمة مؤمن بل يبغضهم أهل الزيغ والنفاق وأعداء الإسلام كالرافضة والخوارج، وبقية أهل الباطل.

القسم الثاني... من يبغض ويعادي بغضاًَ ومعاداة خالصين لا محبة ولا موالاة ...
وهم الكفار الخُلٌَص من الكفار والمشركين والمنافقين والمرتدين والملحدين على اختلاف أجناسهم، يقول تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (إن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين ). ثم استدل بآية المجادلة رحمه الله.

القسم الثالث... من يُحب من وجه ويبغض من وجه...فتجتمع فيه المحبة والعداوة وهم عصاة المؤمنين، يُحبون لما فيهم من الإيمان ويبغضون لما فيهم من المعصية التي هي دون الكفر والشرك، ومحبتهم تقتضي مناصحتهم والإنكار عليهم، فلا يجوز السكوت على معاصيهم بل يُنكر عليهم ويُؤمرون بالمعروف ويُنهون عن المنكر وتُقام عليهم الحدود والتعزيرات حتى يكفوا عن معاصيهم ويتوبوا من سيئاتهم .

اعلم أخا التوحيد أننا لا نكفر أحداً من المسلمين بمعصية حتى لو لم يتب منها. بل مذهبنا في مرتكب الكبيرة أنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وإذا مات على الكبائر التي هي دون الكفر والشرك فأمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. وهذا ما ندين الله به ... واعلم أن الولاء مع المسلم المنحرف قائم لا ينقطع إلا بالردة والخروج من دائرة الإسلام. ونحن إنما نتبرأ من باطل المسلم المنحرف ومن بدعته أو انحرافه مع بقاء أصل الموالاة التي هي حق للمسلم على المسلم ولا نجيز بحالٍ من الأحوال التبرؤ منهم بالكلية. ومهما شددنا على إخواننا الموحدين المنحرفين عن جادة الصواب والمخالفين لطريق الأنبياء بالنصح لهم والنقد لانحرافهم فلأن المقصود من هذه الشدة سلامة الجماعة والمجتمع وإظهار التوحيد وقمع البدع والمسلم للمسلم كاليدين تغسل إحداهما الأخرى وميزان الولاء والبراء عندنا قائم والحمد لله ولا نقر أعين الطغاة والمجرمين بعكس ذلك .. ألم تر أن أحكام قتال البغاة وأمثالهم تختلف مثلاً عن أحكام قتال المرتدين.
وإننا لنعجب من دعاةٍ اختلَّ عندهم ميزان الولاء والبراء فأظهروا البراءة من مخالفيهم الموحدين وعملوا ليل نهار على تحذير الناس منهم ومن الحق الذي عندهم عبر وسائل الإعلام المختلفة من فضائيات وإذاعات وصحف ومجلات بل وصل الحد بكثيرٍ من هؤلاء الدعاة إلى ترقيع الفتاوى للسفهاء من الحكام والطواغيت لقمعهم والقضاء عليهم وإلصاق التهم الباطلة بهم كقولهم عن الموحدين: بغاة أو خوارج أو أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى ... وإننا أخا التوحيد نعرف الكثير ممن يفرح فرحاً شديداً بوقوع أحد الموحدين في أيدي الكفار والطواغيت أو باستشهاده ويقولون بكل قبحٍ وجرأةٍ على الحق: ( يستاهل ) أو ( الله لا يرده ) أو ( أراحوا الناس من شرِّه ).
يقول الدكتور عمر عبد الرحمن ( إن الذين يتهموننا بأننا خوارج حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد .. إننا لا نكفر أحداً بالمعصية حتى لو أصر عليها ولم يتب منها .. وأما بدعة الخوارج وما خالفوا فيه أهل السنة والجماعة فهي تكفيرهم مرتكب الكبيرة المصر عليها .. فأين وجه الشبه بيننا وبينهم .. فضلاً عن المساواة بهم ؟! )
واعلم أخا التوحيد أن النصرة لها أهمية كبيرة في دين الله وقد وردت الأوامر النبوية الكثيرة الحاضَّة عليها .. يقول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخي كان الله في حاجته ومن فرَّج عن مسلم كربةً فرج الله عنه بها كربةً من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ) ومعنى ( لا يسلمه ) .. أي لا يسلمه للأعداء والكفار فيقتلونه أو يحبسونه أو يؤذونه .. واعلم رعاك الله أن المسلم في المجتمع الإسلامي والجماعة المؤمنة عضو كأي عضو في الجسد والجسد يتأثر باختلال أي عضو فيه. وفي هذا المعنى يقول النبي  (ترى المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى ) ويقول النبي  (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) واعلم أخا التوحيد أن هذا الواجب هو أساس انتصار المسلمين اليوم بعد أن يتمسكوا بدينهم ويلتزموا بتعاليمهم .. نؤمن بذلك ونشدد عليه فهذه عقيدتنا وهذا ديننا ومنهاجنا .. جاء في كتاب الولاء والبراء للقحطاني ما نصه (ولن ينتصر المسلمون إلا إذا تحقق فيهم – بعد صفاء العقيدة ووضوحها – حب المسلم لأخيه المسلم كحبه لنفسه وشعوره بآلام أخيه المسلم كما يصيبه هو، وحب نصرته كما يحب أن ينصره هو والله ينصر من ينصره إن الله لقوي عزيز، وتتحقق النصرة بعدة أمور منها ..
الدفاع بالنفس عن الأخ المسلم وكسر شوكة الظالمين وبذل المال له لإعزازه وتقوية جانبه، والذب عن عرضه وسمعته، والرد على أهل الباطل الذين يريدون خدش كرامة المسلمين، والدعاء للمسلم بظهر الغيب وبالنصر والتوفيق وتسديد الخطى، وتتبع أخبار المسلمين في أنحاء المعمورة والوقوف على أحوالهم ودعمهم بقدر الإستطاعة ) .
أقول وبالله التوفيق أن المسلمين اليوم بحاجة إلى هذه المعاني الجليلة الطيبة التي هي من براهين الإسلام والإيمان الحقيقية .. وما خالفها فليس من الدين الإسلامي البتة .. فكم من بلدٍ إسلامي مستباحة حرمته محتلة أرضه يفعل به الصليبيون واليهود أفاعيلهم .. وكم من مسلم مشردٍ جائعٍ طريدٍ تائه وما من أحدٍ من المسلمين يحرك ساكناً، فقد ابتعد المسلمون عن إسلامهم وما يحمله من معانٍ جليلة عزيزة وكان جزاؤهم أن أذلهم الله وأخزاهم .. إن الشعوب المسلمة تئن تحت وطأة الجوع والجهل والسوط .. وأموال الأمة تبددها الأنظمة المرتدة الخائنة على صفقات سلاحٍ الغرض منها ردع الشعوب وقمع أي محاولةٍ للتنوير والتغيير، ولكن المولى هو الله والناصر هو الله ولن يضيع الله جنده، إنه قوي عزيز {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } والجند هم المؤمنون من أتباع المرسلين .. واعلموا هداكم الله أن جميع الفقهاء والعلماء والأئمة اتفقوا على أن المسلمين إذا قدروا على استنقاذ المستضعفين أو المأسورين أو المظلومين من إخوانهم المسلمين في أي جهة من جهات الأرض ثم لم يفعلوا فقد باءوا بإثم عظيم .. يقول أبو بكر العربي رحمه الله (إذا كان في المسلمين أسراء أو مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة بالبدن بأن لا تبقى مناعين تطرق حتى تخرج إلى استنفاذهم وإن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحدٍ درهم من ذلك ) .
رحم الله ابن العربي وأيقظ المسلمين من سباتهم، فأين هم اليوم من المستضعفين والمأسورين في فلسطين والعراق وأفغانستان وغوانتانامو وسجون الكفر والطواغيت المختلفة ... أين هم من أولئك وآبار البترول تفيض ليذهب خيرها إلى بنوك أمريكا وأوروبا وإسرائيل وأعوانهم .. بل يقيمون السجون السرية في بلدانهم ليأسروا فيها الموحدين ويُريحوا أسيادهم من مهام التنكيل القذرة. ولم يلتفتوا بسبب ردتهم إلى حديث رسولهم صلى الله عليه وسلم (عودوا المريض وأطعموا الجائع وفُكَّوا العاني ) والعاني أي الأسير. أين هم من الجياع والمقهورين في شتى بقاع الأرض من الموحدين وقد راح المبشرون بالكفر والباطل يسرحون في ديارهم ويبثون فيهم سمومهم وينصبون لهم شباكهم مستغلين جوعهم وبؤسهم وجهلهم. ثم أين هم من الشعوب المسلمة التي احتُلت فكرياً وثقافياً وعسكرياً فأصبحت ذليلة أسيرة بكاملها والجيوش المظفرة في ثكناتها أسيرة المجون والفيديو كليب والسوبر ستار ...

أسمعت لو ناديت حيا ً
ولكن لا حياة لمن تنادي
أين هم من دينهم وعقيدتهم في ولائهم للكافر ونصرته وقد علموا من هذه العقيدة بالضرورة أن التناصر والتآخي لا يكون إلا بين المسلمين وحدهم. ولا يجوز أن يكون بين المسلمين وغيرهم من الكافرين وهذا ما يصرح به كلام الله تعالى {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } قال الحافظ ابن كثير في التفسير (أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فسادٌ منتشر عريض طويل ) أهـ.
فتنة في الأرض وفساد كبير باختلاط المبادىء الصالحة بالمبادئ الفاسدة. فساد كبير بالتنازل عن القيم والتعاليم الصحيحة ليصبح الكافر هو المشرع والمُقِر لقوانين الجاهلية الرافضة للحق والمحاربة لأهل هذا الحق. يقول ابن العربي رحمه الله ( قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض. وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض. يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم ) .
يقول سيد قطب رحمه الله (والولاية المنهي عنها تشمل ولاية التناصر والتحالف. فالولاء والتحالف والتناصر في حياة المسلم تتجه ابتداءً إلى إقرار عقيدة الإسلام في الأرض، وتحقيق منهج الإسلام في الحياة. ففيم الولاء والتناصر والتحالف بين المسلم وغير المسلم في شأن من هذه الشؤون.
والحياة الواقعية: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والخلقية والعلمية والفنية، إن هي إلا الترجمة العملية للعقيدة في الإسلام .. فلا انفصال بين أيٍّ منها وهذه العقيدة فكيف يكون الولاء والتناصر والتحالف بين المسلم وغير المسلم في شأن من هذه الشؤون ) .
اعلموا أيها الكرام أن تطبيق هذه التعاليم الربانية هو أساس انتصار المسلمين في كل زمانٍ ومكان. ولا ريب أن إهمالها والانصراف إلى ما يخالفها هو أساس الضعف والتفكك وتألب الأعداء علينا من كل حدب وصوب _وهذه هو الحاصل اليوم _ فقد ابتعد المسلمون عن دينه بما فيه من معانٍ عظيمةٍ بل ساهم بعض الذين ينتسبون إلى هذا الدين ظلماً وزوراً في الحرب المستعرة على الإسلام. فبدلاً من نصرة المجاهدين الذين تركوا الأهل والمال والبلد ونفروا في سبيل الله مولاهم ونصر دينه راحوا يساومونهم على دينهم ومواقفهم بل سلموهم للكفار ليقتلوهم ويعذبوهم ويخلدوهم في السجون. وشنوا مع الكفار هجوماتهم وغاراتهم على الموحدين جهاراً نهاراً. وهذا من نواقض الإسلام والعياذ بالرحمن ولكنَّ الله حسبنا ونعم الوكيل.
واعلم أخا التوحيد أن دار الإسلام قد انقلبت إلى دار كفر بعد سقوط الخلافة واستبدال شرع الله تعالى وحكمه بقوانين وأحكام وضعية تحكم بين العباد في كل البلاد وبعيداً عن الخوض في تفصيلات هذا الموضوع نقول أنه في حال وجود دارٍ للإسلام إن شاء الله فإنَّ المسلمين الذين يعيشون في دار الكفر في بلاد الكفر إذا وقع عليهم اعتداء سواء من الدولة الكافرة التي يعيشون فيها أو من أهل البلاد المستوطنين فيها أو حتى من دولة أجنبية أخرى. فيجب على المسلمين المنتمين إلى دار الإسلام الذين يعيشون فيها نصرة هؤلاء المسلمين المعتدى عليهم المنتمين إلى دار الكفر .. ولكنَّ ذلك يتم وفق شروط ...
1- أن يطلب المسلمون المعتدى عليهم النصرة من أهل دار الإسلام.
2- أن يكون الموضوع الذي طلبوا نصرتهم فيه موضوعاً دينياً.
3- ألاَّ يكون بين دار الإسلام ودار الكفر التي اعتدت على المسلمين فيها معاهدة صلح توجب الكف عن القتال.
4- أن لا تكون مصلحة ترك نصرة المسلمين في دار الكفر أرجح من مصلحة النصرة تلك.
وتفهم هذه الشروط المتقدمة من آية النصرة في سورة الأنفال { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
واعلم أخانا أن مسلمي دار الكفر بدورهم مخاطبون بالتكاليف الشرعية كالمسلمين في دار الإسلام ومنها الجهاد في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان. بدليل ما جاء في حديث بُريدة بصدد حرمان المسلمين الذين لا ينتمون إلى دار الإسلام من الحقوق الرعويّة، ومنها حرمانهم من الغنيمة والفيء ثم استثنى منهم المجاهدين فإنهم يستحقون نصيبهم من الغنائم لأنهم اشتركوا في الجهاد مع عدم انتمائهم لدار الإسلام. جاء في حديث بُريدة (ولا يكون لهم من الغنيمة والفيء شيء ألا أن يجاهدوا مع المسلمين ) . والأهم في الموضوع أنهم متحررون من قيد المعاهدات السلمية بين دار الإسلام ودار الكفر. ولذلك يحق لهم القتال للدفاع عن المسلمين المعتدى عليهم في دار الكفر حتى لو كانت دولة الكفر التي ينتمون إليها. بدليل مقاتلة أبو بصير وجماعته من مسلمي مكة لأهل مكة نفسها من الكفار وهي دار كفر في فترة صلح الحديبية ولم يعتبروا أنفسهم مقيديَّن بالمعاهدة والرسول لم ينكر عليهم ذلك ...
على أن المسلمين المنتمين إلى دار الكفر إذا تخلى المسلمون الآخرون عنهم أو عجزوا عن نصرتهم ولم يتمكنوا من القيام بواجبات دينهم أو أُكرهوا على القيام بالمنكرات التي حرَّمها الله عليهم. فعليهم في هذه الحالة الهجرة إلى دار الإسلام أو أي دار أخرى يستطيعون القيام بالواجبات وتجنب المحرمات إذا تمكنوا من ذلك. وإن لم يتمكنوا فهم مكرهون معذورون والرسول  يقول فيما يرويه ابن عباس رضي الله عنه {إن الله تجاوز لي عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه} وهذا عام في كل إكراه .
واعلم أخا الإسلام أن الهجرة ماضية إلى يوم القيامة وهي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام وهي فريضة على هذه الأمة والدليل قوله{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً*ِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً *َأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً } . وقوله تعالى { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } قال البغوي رحمه الله (سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان ) والدليل من السنة قوله  (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ). وللهجرة أحكام مختلفة على حسب الظروف والأحوال التي تكتنفها ويُرجع إليها في كتب الفقه والقرطاسية ...
ونحن إذ قلنا أن دار الإسلام اليوم قد انقلبت إلى دار كفر وردَّة فلأنها حُكمت من قبل الكافرين بغير ما أنزل الله وقولنا هذا لا يعني بحالٍ من الأحوال حُكماً على أهل الديار. ولا نقول: إذا كفر الحاكم كفرت الرعية. والناس عندنا في هذه الديار أقسام:-
1- مسلمون: وهم الذين اشتهر إسلامهم وقاموا بما يدل عليه كالتشهد والصلاة والتسمية على الذبيحة لقوله  (من صلَّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذاكم المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته ) وهؤلاء مسلمون ما لم يأتوا بناقض من نواقض التوحيد.
2- مستور الحال من المسلمين: وهو من رأينا منه نسك من نسك المسلمين ولم نعلم إنكاره على الطواغيت فهذا مسلم صحيح الإسلام فإنه ربما يكون قد أنكر بقلبه ولم يرضَ عن المشركين ولسنا من الذين يتوقفون في شأنه للتبين وهذا مذهب أهل السنة والجماعة بلا خلاف.
3- كفار أصليون: كاليهود والنصارى وغيرهم وهؤلاء ليس لهم ذمة وعهد الانعدام دار الإسلام التي أعطتهم العهد والذمة وقد رجعوا كفار حربيون ولكننا لا نقاتلهم إلا إذا ثبت كيدهم أو بدأونا بقتال.
4- كفار مرتدون: وهم من دان من المسلمين بغير دين الإسلام كالعلمانية والشيوعية والديمقراطية والبعثية وغيرها أو من أتى بناقض من النواقض كسب الله أو الدين أو ترك الصلاة على الصحيح من قولي أهل العلم .
5- مجهول الحال: وهو من لا نعرف منه شيء يدل على إسلامه وهذا نسأل عن دينه إذا أردنا أن نعامله بنكاحٍ وما شابه لكي نتأكد من إسلامه لئلاَّ يكون كافر أصلي أو مرتد.
تنبيه ... حكمنا على طائفة بأنها طائفة ردة لا يعني كفر جميع أفرادها عيناً وإنما ترجع هذه المسألة إلى انطباق الشروط وانتفاء الموانع بالنسبة للأعيان. والله الهادي إلى سواء السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
لوازم الطريق
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
إيـــش-ICH :: الشريعة و الحياة :: مواضيع دينية-
انتقل الى: